يأتي النجم الفرنسي الكبير كريم بنزيما إلى الهلال في توقيت بالغ الحساسية، توقيت لا يحتمل المجاملات ولا يسمح بالانتظار طويلًا، إذ يعيش الفريق أزمة واضحة في الشق الهجومي، بدأت ملامحها تتضخم تدريجيًا حتى تحولت إلى ما يشبه "العقم الهجومي" الذي يظهر في المباريات الكبيرة قبل الصغيرة، وفي التفاصيل الدقيقة قبل الأرقام العامة. فالهلال الذي اعتاد أن يكون فريقًا هجوميًا شرسًا، يملك حلولًا متنوعة، ويُنهك خصومه بكثرة الفرص وسرعة التحولات، يجد نفسه اليوم أمام سؤال قاسٍ: هل المشكلة في المهاجم؟ أم في المنظومة؟ منذ رحيل المهاجم الصربي ألكسندر ميتروفيتش، افتقد الهلال وجود "رقم 9" الصريح، اللاعب الذي يتحول في المباريات المغلقة إلى مفتاح، وفي اللحظات الصعبة إلى قرار، وفي الكرات الثانية إلى نقطة تفوق. غياب هذا النوع من المهاجمين لا يُعوَّض فقط بزيادة الاستحواذ أو الاعتماد على الأطراف أو حتى كثرة التسديدات، لأن كرة القدم الحديثة -خصوصًا في المباريات التي تُحسم بتفاصيل صغيرة- تحتاج مهاجمًا يملك ثلاثة أشياء أساسية: 1- التمركز داخل الصندوق. 2- الحسم من نصف فرصة. 3- قراءة المساحات تحت الضغط. وهذه الصفات تحديدًا هي ما عانى الهلال من فقدانها مؤخرًا، فصار الفريق يصنع كثيرًا، لكنه لا "يُنهي" كثيرًا. ما يحدث في الهلال ليس مجرد نقص مهاجم، بل هو حالة من الفوضى والتخبط في العمق الهجومي، ظهرت آثارها في مباريات عديدة، لكنها كانت أكثر وضوحًا في آخر ثلاث مباريات التي تعثر فيها الفريق بالتعادل. التعادل ليس كارثة بحد ذاته، فكل فريق يتعثر، لكن المشكلة في الهلال أن التعثر جاء في صورة متكررة ومتشابهة: * استحواذ كبير دون فاعلية حقيقية. * فرص مهدرة أكثر من اللازم. * رتم هجومي ينخفض كلما اقترب الفريق من مرمى الخصم. * غياب اللاعب "القاتل" الذي ينهي المباراة قبل أن تتعقد. وهنا تظهر الإشكالية الكبرى: الهلال لا يخسر لأنه ضعيف... بل يتعثر لأنه لا يترجم تفوقه إلى أهداف. الحديث عن "سوء حظ" قد يكون مريحًا، لكنه لا يفسر تكرار الظاهرة، لأن الفرص المهدرة حين تتكرر، تصبح مؤشرًا على خلل واضح، والخطأ قد يكون في أحد هذه الجوانب: 1- التسرع في اللمسة الأخيرة: عندما يغيب المهاجم الصريح، يتحول العبء إلى لاعبي الوسط والأطراف، فيحاول الجميع التسجيل بدل صناعة الهدف بهدوء. 2- سوء اختيار الحل: في كثير من اللقطات، يكون التمرير أفضل من التسديد، أو العكس، لكن القرار يأتي متأخرًا أو خاطئًا. 3- ضعف التواجد داخل المنطقة: الفريق يصل إلى الثلث الأخير، لكن لا يجد العدد الكافي داخل الصندوق، أو يجد لاعبين في أماكن غير مثالية. 4- غياب القائد الهجومي: ليس كل لاعب يسجل أهدافًا هو "قائد هجوم"، فالقائد الهجومي هو من يجعل من حوله أفضل، ويمنح الفريق ثقة ووضوحًا. وهنا بالضبط يبدأ الحديث عن بنزيما.. قدوم كريم بنزيما إلى الهلال لا يُقرأ فقط كصفقة جماهيرية أو إعلامية، بل كخطوة تحمل معنى فنيًا واضحًا (الهلال يريد استعادة هيبته داخل الصندوق). بنزيما ليس مجرد مهاجم ينتظر الكرة ليضعها في الشباك، بل هو لاعب يملك قدرة نادرة على: * التحرك بين الخطوط * سحب المدافعين وفتح المساحات. * لعب دور "المحطة" لاستقبال الكرات تحت الضغط. * صناعة اللعب بنفس جودة إنهائه للهجمات. * تحويل أنصاف الفرص إلى أهداف. وهذه الصفات تحديدًا تجعل بنزيما مرشحًا لأن يكون جزءًا كبيرًا من الحل، لا لأنه فقط سيُسجل، بل لأنه سيعيد ترتيب المنظومة الهجومية. كيف يمكن لبنزيما أن يعالج العقم الهجومي؟ 1) إعادة تعريف الهجمة الهلالية. الهلال في الفترة الأخيرة يصل كثيرًا لكنه لا يعرف "كيف ينهي"، فبنزيما سيمنح الفريق شكلًا هجوميًا. 2) استغلال العرضيات بدل هدرها. الهلال يملك أطرافًا نشطة وقادرة على إرسال كرات عرضية، لكن غياب رأس الحربة جعل هذه العرضيات بلا قيمة، مع بنزيما، كل كرة داخل الصندوق تصبح خطرًا حقيقيًا. 3) رفع جودة القرار في الثلث الأخير. بنزيما معروف بأنه لا يلعب بعشوائية، بل يقرأ المشهد ويختار الحل الأكثر فاعلية، وهذا ما يحتاجه الهلال حين تتعقد المباراة. 4) قتل المباراة قبل أن تتحول إلى ضغط نفسي. أكبر مشكلة في التعادلات الأخيرة أن الهلال يتأخر في التسجيل أو لا يسجل، فيدخل في دائرة التوتر وإهدار الفرص. بنزيما قادر على إنهاء المباراة مبكرًا بهدف "يقتلها" ويُسقط دفاع الخصم نفسيًا، كونه مهاجم صريح يملك الكثير من الحلول. لكن.. هل بنزيما وحده يكفي؟ رغم كل ما سبق، يبقى السؤال الأهم: هل المشكلة في الهلال كانت غياب مهاجم فقط؟ الحقيقة أن بنزيما سيحل جزءًا كبيرًا من الأزمة، لكنه لن يكون عصًا سحرية إذا استمرت بعض الأخطاء، مثل: * بطء بناء الهجمة أحيانًا. * غياب التنوع في الاختراق (اعتماد مفرط على الأطراف). * ضعف الكثافة داخل منطقة الجزاء. * تكرار نفس السيناريو أمام الدفاعات المتكتلة. فنجاح بنزيما لا يعتمد على اسمه فقط، بل على كيفية توظيفه داخل منظومة الهلال: هل سيكون مهاجمًا ثابتًا داخل الصندوق؟ أم محطة لعب تربط الوسط بالهجوم؟ أم قائدًا يغير شكل الفريق في الثلث الأخير؟ الإجابة ستظهر مع أول المباريات. خلاصة القول: قدوم كريم بنزيما للهلال هو فرصة لإنقاذ موسم قد يتحول من "موسم سيطرة" إلى "موسم تعثرات" إن استمرت الأزمة الهجومية. فالهلال اليوم لا يعاني من ضعف في الأسماء، بل من خلل في الحسم، من إهدار فرص كانت سانحة، ومن غياب المهاجم الذي يختصر الطريق نحو الهدف. وبنزيما، بخبرته وشخصيته وقدرته على صناعة الفارق، قادر على أن يكون جزءًا كبيرًا من الحل، وأن يعيد للهلال فعاليته الهجومية، ويُصلح بعض الأخطاء التي كلفته نقاطًا ثمينة. لكن النجاح الحقيقي لن يكون في تسجيل بنزيما للأهداف فقط... بل في أن يعود الهلال كما كان: فريقًا يصنع كثيرًا.. ويسجل أكثر. وليد بامرحول