لم يعد الإعلام السعودي اليوم شاهدًا على التحولات، بل أحد صُنّاعها. فقد تجاوز دوره التقليدي كوسيط ينقل الحدث أو يعلّق عليه، ليغدو شريكًا فاعلًا في صناعة الوعي، وبناء الصورة الذهنية للمملكة، وحماية مصالحها وقيمها في فضاء إعلامي عالمي يتسم بالتنافس الحاد وتضارب الروايات. هذا التحول لم يكن نتاج لحظة عابرة، ولا وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية واضحة، واستثمار منظم في الإنسان والمنظومة، وإيمان راسخ بأن الإعلام قوة ناعمة فاعلة، حين يُدار بوعي، ويُمارس بمهنية، ويُسند بمشروع وطني طموح. وتجسّد النسخة الخامسة من المنتدى السعودي للإعلام هذا التحول بوضوح، حيث جاءت مختلفة في مضمونها وتوجهها، ومتقدمة بخطوة عن النسخ السابقة، من حيث الانتقال من توصيف الواقع الإعلامي إلى صناعة مستقبله. فالمنتدى في نسخته الحالية لم يكتفِ بطرح الأسئلة حول الإعلام وتحدياته، بل انشغل بالإجابات العملية، وبناء النماذج، وفتح مسارات جديدة للإعلام بوصفه قطاعًا مؤثرًا اقتصاديًا ومهنيًا وثقافيًا. وقد افتُتحت النسخة الخامسة من المنتدى في العاصمة الرياض وسط حضور رسمي وإعلامي واسع، عكس حجم الاهتمام الذي توليه الدولة للإعلام ودوره في مواكبة التحولات الوطنية والعالمية. وجاء هذا الافتتاح ليؤكد أن الإعلام السعودي لم يعد على هامش القرار، بل في قلبه، يواكب السياسات العامة ويُسهم في شرحها وصياغة سرديتها للرأي العام. ما يميّز هذه النسخة تحديدًا هو تركيزها الواضح على التحول من الإعلام التقليدي إلى الإعلام المتكامل؛ إعلام يجمع بين المحتوى والتقنية والاستثمار، ويمنح مساحة أوسع للشباب، وصنّاع المحتوى، ورواد الأعمال الإعلاميين. كما برز الاهتمام بتوظيف الذكاء الاصطناعي في العمل الإعلامي، ليس بوصفه أداة تقنية فحسب، بل كمسار يحتاج إلى حوكمة مهنية تحمي المصداقية وتحافظ على الهوية. وفي خضم هذا المشهد، يبرز المدوّن السعودي وصانع المحتوى الرقمي كأحد أهم ملامح التحول الإعلامي. فالمدوّن السعودي اليوم لم يعد مجرد ناقل رأي أو تفاعل لحظي، بل أصبح في كثير من الحالات خط دفاع وطني واعياً، يواجه حملات التضليل، ويفكك الشائعات، ويقدّم الرواية الوطنية بلغة عصرية تصل إلى الداخل والخارج في آن واحد. وقد أثبتت التجربة أن هذا الدور نابع من وعي وانتماء، لا من توجيه أو وصاية، ما أكسبه مصداقية وتأثيرًا حقيقيين. ولا يمكن الحديث عن هذا التحول دون الإشارة إلى الجهود التي تقودها وزارة الإعلام، وفي مقدمتها الدور الذي يقوم به معالي وزير الإعلام الأستاذ سلمان بن يوسف الدوسري، في دعم مسار التحول الإعلامي، وتعزيز المهنية، وتمكين الكفاءات الوطنية، وتهيئة البيئة التنظيمية التي توازن بين حرية التعبير والمسؤولية الوطنية. وقد عكس المنتدى في نسخته الخامسة هذا التوجه بوضوح، سواء في طبيعة جلساته، أو في تنوع المشاركين، أو في اتساع مساحة الحوار والانفتاح. إن النسخة الخامسة من المنتدى السعودي للإعلام تؤكد أن المملكة لا تنظر إلى الإعلام كأداة آنية، بل كمشروع استراتيجي طويل المدى. إعلام يصنع التأثير، ويحمي الوطن، ويخاطب العالم بثقة، ويمنح شبابه المساحة ليكونوا جزءًا من الحاضر وصنّاعًا للمستقبل. جيلاني بن شايق الشمراني