تعد مكافحة الفساد أحد أبرز ملامح المرحلة التنموية الراهنة في هذا العهد الميمون لحماية المال العام، وأحد أعمدتها التي تقوم عليها الرؤية الوطنية الطموحة لتكريس مبدأ المساءلة؛ فما نشهده من جهود متواصلة في الكشف عن قضايا الفساد المالي والإداري وإحالة المتورطين فيها للتحقيق والمحاكمة، يؤكد رسوخ نهج الدولة في ترسيخ العدالة والشفافية، ويجسد توجيهات القيادة الرشيدة -أيدها الله- بأن لا أحد فوق النظام أياً كانت صفته أو موقعه؛ وقد عبر صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- ولي العهد رئيس مجلس الوزراء عن هذا المبدأ بوضوح حين أكد أنه "لا حصانة لأحد كائناً من كان"، في إشارة إلى أن العدالة في هذا الوطن قاعدة عامة لا تستثني أحداً؛ فالفساد ليس مجرد تجاوز إداري، بل خطر يهدد العدالة الاجتماعية ويضعف الثقة في المؤسسات ويقوض بيئة الاستثمار التي تعد ركيزة أساسية في بناء اقتصاد وطني تنافسي ومتين. وتتعدد أنماط الفساد وصوره ولاعبيه، لكن أشدها وطأة وأثقلها أثراً ما يصدر من مسؤول وضع في منصبه على أساس من الثقة، فإذا خانها انقلبت الثقة نكسة وأصاب الضرر جسد الأمانة؛ فخيانة الأمانة من موقع السلطة لا تمس النظام فحسب، بل تحدث شرخاً في الوعي العام وتهز ثقة المجتمع؛ ومع ذلك تبقى الثقة قائمة في نظام رقابي صارم لا يفرق بين كبير وصغير، ويحمل مبدأ المساواة أمام القانون شعاراً وممارسة؛ ولعل في القرارات السابقة بإعفاء بعض كبار المسؤولين بسبب تجاوزات أو استغلالهم لمناصبهم، أبلغ دليل على أن مكافحة الفساد في وطننا الغالي نهج ثابت ومتجرد، لا يعرف انتقائية ولا محاباة؛ غير أن العدالة لا تكتمل إلا حين تمتد إلى التفاصيل اليومية في مؤسسات الدولة؛ فقد روى لي أحد العاملين في جهاز حكومي أن مسؤولاً قام بتوظيف أجنبية ذات خلفية غير ودية تجاه الوطن، مقدماً إياها على أبناء البلد الأكفاء، لا لشيء إلا لمحاباة سابقة عمل والدها مع ذلك المسؤول؛ مثل هذا التصرف، وإن بدا محدوداً، لكنه يظل يطعن في صميم أساس الثقة ومبدأ تكافؤ الفرص الوظيفية، ويضعف مساعي القيادة الرشيدة -أعزها الله- لإعلاء قيمة النزاهة وترسيخ أولوية المواطن في ميدان العمل. ولهذا نقول إن الوظيفة العامة في جوهرها حق ومسؤولية، وتمنح لمن يستحقها بجدارة وكفاءة، لا على أساس الأفضليات الخاصة؛ وأن في منحها لغير المواطن دون سبب نظامي مبرر يمثل إخلالاً بالثقة وتفريطاً بالأمانة يستوجب المساءلة، كما تؤكد السوابق النظامية التي شهدت إعفاء مسؤولين كبار بسبب مخالفات مشابهة؛ فالمعيار هو الوطن، والمصلحة العليا للمواطن، وسيادة القانون التي صانت حرمة المال العام وأعلت مكانة الأجهزة الرقابية؛ وهكذا تظل مكافحة الفساد في وطننا العزيز التزاماً وطنياً لا يعرف التراجع، عنوانه الدائم هو أن العدالة والشفافية والنزاهة والمحاسبة صمام للتنمية.