كثيرون يخشونه، وكثيرون يتفادونه، بوصفه خطرًا يهدد الوظائف، وينتهك الخصوصية، ويحدّ من قدرات الإنسان العقلية، هكذا يُقدَّم الذكاء الاصطناعي في المخيلة العامة: كغولٍ قادم أو وحشٍ بلا ضوابط. غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل الذكاء الاصطناعي مخيف فعلًا إلى هذا الحد؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولًا من فهم ماهية الذكاء الاصطناعي، والتعامل معه بوصفه أداة صنعها الإنسان، لا قوة مستقلة تدير حياته. هذا ما تسعى إلى توضيحه خبيرة الذكاء الاصطناعي والكاتبة اللبنانية هيلدا معلوف ملكي في كتابها الجديد «الذكاء الاصطناعي ببساطة»، الصادر حديثًا عن دار نوفل/ هاشيت أنطوان. الكتاب، الذي يقع في 112 صفحة وصدر ضمن سلسلة «إشراقات» لتنمية الذات، يقدّم مدخلًا مبسطًا لفهم الذكاء الاصطناعي، بعيدًا عن اللغة التقنية المعقدة والمصطلحات الجافة. ومنذ صفحاته الأولى، تؤكد المؤلفة، الحاصلة على شهادة معتمدة في الذكاء الاصطناعي من جامعة أكسفورد، أن «الذكاء الاصطناعي لم يعد مستقبلًا أو خيالًا، بل أصبح واقعًا يجب أن نفهمه»، مشددة على أن «ما يحدد مصيرنا ليس الذكاء الاصطناعي، بل ما نختار أن نفعله به». وتعتمد هيلدا معلوف ملكي، المتخصصة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، أسلوبًا سلسًا وأمثلة قريبة من الحياة اليومية لشرح كيفية عمل الذكاء الاصطناعي، وتأثيره في مختلف جوانب حياتنا، مؤكدة أن استخدامه لا يقتصر على فئة عمرية أو علمية محددة، بل يمكن لأي شخص التعامل معه بوعي ومسؤولية. يتألف الكتاب من 21 فصلًا، تستهلها الكاتبة بسؤال محوري: «لماذا يجب أن يهمّك الذكاء الاصطناعي؟»، ثم تنتقل إلى شرح نشأته وتطوره، وأين نراه اليوم في حياتنا، وتاريخه، وخوارزمياته، والفرق بينه وبين التعلّم الآلي، وكيفية تلقيه للمعلومات ومعالجتها. وتولي الكاتبة اهتمامًا خاصًا بكيفية شرح الذكاء الاصطناعي للأطفال، داعية الأهالي إلى استخدام التشبيه، مثل اعتباره «تلميذًا في الصف يتعلّم من المعلومات التي نزوّده بها»، مع التأكيد على دور الإنسان المحوري في التوجيه والتمييز بين الصواب والخطأ. كما تشدد على أهمية توعية الأطفال بمخاطر الإنترنت، والحفاظ على الخصوصية، معتبرة أن «الإنترنت يشبه الشارع، علينا أن نسير فيه بحذر». وفي سياق أوسع، تستعرض المؤلفة تجارب عالمية ناجحة في توظيف الذكاء الاصطناعي، وتناقش واقعه في لبنان والعالم العربي، مشيرة إلى أن المملكة العربية السعودية أسست هيئة خاصة بالذكاء الاصطناعي، وتسعى إلى أن تكون مركزًا عالميًا رائدًا في هذا المجال بحلول عام 2030. وحول المخاوف الشائعة، تؤكد هيلدا معلوف ملكي أن الذكاء الاصطناعي «ليس كائنًا واعيًا ولا يمتلك إرادة مستقلة»، بل هو أداة تعمل وفق ما بُرمجت عليه. وترى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الآلة ذاتها، بل في طريقة تصميمها واستخدامها ومستوى الوعي البشري المصاحب لها. وتتناول الكاتبة أبرز المخاطر المحتملة، مثل: التحيز في البيانات، والاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي بما قد يضعف المهارات الذهنية، إضافة إلى التهديدات المرتبطة بالخصوصية وبعض الوظائف. وتشبه الذكاء الاصطناعي بالسكين: أداة حيادية يمكن استخدامها للإنقاذ أو للإيذاء، بحسب من يستخدمها وكيفية استخدامها. وفي فصول أخرى، تناقش الكاتبة تأثير الذكاء الاصطناعي في العائلة، والتعليم، والإبداع، وتشرح مفهوم «هلوسة الذكاء الاصطناعي»، كما تتوقف عند أخلاقياته، والأخطاء الشائعة في استخدامه، محذرة من الإفراط غير الواعي في الاعتماد عليه. وتختتم هيلدا معلوف ملكي كتابها بالتأكيد على أن هدفها هو جعل الذكاء الاصطناعي أقرب إلى القارئ، وتحويله من فكرة معقدة إلى أداة عملية لبناء مستقبل أفضل، مشددة على أن «الذكاء الاصطناعي ليس المستقبل.. المستقبل هو الإنسان».