لو تأملنا في العنوان بهدوء لوجدنا أننا بحاجة إلى تطبيقه فعليا في كثير من علاقتنا الاجتماعية الدائمة أو العابرة، وربما حتى مع أفكارنا المجردة، فهناك أفكار تحتاج منا أن نقترب منها أكثر لتتضح لنا بأقصى درجات التجلي والوضوح، وأفكار أخرى لا تحتاج أكثر من أن ننظر إليها من بعيد، وكذلك العلاقات الاجتماعية نحتاج أن نقدر لها مسافاتها المناسبة، والحديث عن علاقة اجتماعية يعني جماعات وأشخاصا، ويعني كذلك تصنيفات أخرى متنوعة. المسافة ليست واحدة أو هذا هو المفترض والصحيح كما أراه، فالأسرة بأفرادها وعلاقاتهم التبادلية يفترض أن تكون هي أقرب المسافات بين الأفراد فيما بينهم البين وبينهم وبين كيانهم الجامع (الأسرة)، والأصدقاء لا يأتون على درجة واحدة من القرب وبالتالي، لكل صديق مسافته، وزملاء العمل، ورفاق المهام المختلفة، والمعارف على مختلف طرق التعرف بهم؛ لهم مسافاتهم التي لا تتساوى ولا تتطابق. ومن خلال التصنيفات الأخرى يمكن أن نفهم تفاصيل وأبعادا عديدة لمعنى المسافة بمفهوم آخر، وبمعنى: تفهم أن يكون هناك تباين في النظر إلى لمواضيع المختلفة، فالأجيال يوجد بينها تفاوت في طبيعة الفهم وآليات التفكير، وكذلك الرجل والمرأة، والطبقات الاجتماعية، والمستويات الثقافية والتعليمية، وهذا لا يدخل في جانب التفضيل، وإنما في طبيعة التكوين المعرفي والمرحلة وتأثير الواقع بطبائعه وتحولاته المتتابعة، ومن أفكار سائدة وبيئات غير متشابهة، وكذلك طبيعة التقنيات والتقدم العلمي، وتراكم التجربة الإنسانية بجانبيها التنظيري والتطبيقي. وربما تكون طبيعة الاختلاف في النظر إلى الأمور بين الرجل والمرأة مثالا مناسبا، فالتفكير العاطفي والتفكير العقلاني يجسدان هذا الفرق في الشكل العام ولكن بتفاصيل طويلة ومتنوعة ترتبط بطبيعة الموضوع والموقف والحالة، وقد يكون الكتاب الشهير لمؤلفه جون جراي (الرجال من المريخ، النساء من الزهرة) من الكتب المفيدة التي تشرح هذه الجزئية وفق فلسفة ومنظور عميق وسهل في الوقت ذاته، وقد جعل الكاتب افتراضيا لتوصيل فكرته افتراض أن الرجل والمرأة أتى كل منهما من كوكب مختلف، وهذه الفكرة أرى أنها مهمة ومفيدة عند استحضارها من قبل الرجل والمرأة في مرحلة الخطبة ومن ثم الزواج، فهما من كوكبين مختلفين افتراضيا والتقيا في كوكب ثالث لا يمكن أن يعمر إلا من خلالهما وما يقدمانه من تنازلات وتضحيات وتفاهم، وإدراك يقيني أن الرجل ليس كالمرأة والمرأة ليست كالرجل، ولكن لا غنى لأحدهما عن الآخر، ولا عمار لكوكب الأرض إلا بهما.