وسط حضور لافت من الأدباء والمثقفين، نظّمت جمعية الأدب المهنية، عبر سفارتها في الوشم، محاضرة علمية احتضنتها مدينة شقراء، أدارها الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله الخراشي، وقدّمها الدكتور سعود بن سليمان اليوسف. واستهل اللقاء بكلمة لسفارة الجمعية ألقاها الدكتور عبداللطيف بن محمد الحميد، أعقبها افتتاح رسمي للأمسية من قبل الدكتور الخراشي، رحّب فيه بالمحاضر والحضور. عقب ذلك، قدّم الأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن محمد الفيصل محاضرته، متناولًا موضوع الأمسية من أبعاده التراثية والجغرافية والمكانية، ومسلطًا الضوء على حضور شقراء في شعر كبار الشعراء العرب. واستعرض في هذا السياق نماذج من قصائد فحول الشعراء الذين ارتبطت أشعارهم بمواضع قريبة من شقراء، ومنهم جرير في أثيثية، والراعي النميري في قرماء، والصمّة القشيري في تبراك والرين، والمرار بن منقذ العدوي في أشىّ. وتوقف الدكتور الفيصل عند ما دار بين جرير والمرار من تنابذ بالهجاء، مشيرًا إلى أن هجاء جرير للمرار كان أشد وقعًا، مستشهدًا بعدد من أبيات جرير في هذا السياق. كما انتقل إلى شعر زياد بن منقذ العدوي، مستعرضًا أبياتًا وصف فيها شقراء ووادي أشىّ، وعبّر من خلالها عن تعلّقه بتلك الديار، وما تحمله من دلالات مكانية وعاطفية في الذاكرة الشعرية. وفي المحور الجغرافي والتاريخي، أوضح الدكتور الفيصل أن شقراء كانت في أصلها مورد ماء، ثم تحولت إلى قرية، قبل أن تصبح مدينة. وبيّن أن أول من استوطن ماء شقراء قبيلة لام الطائية، التي دخلت في صراعات مع القبائل العدنانية المجاورة، مثل بني نمير وبني كلاب، وانتهت بسيطرة بني كلاب على المورد قبل الإسلام. كما أورد ما ذكره ياقوت الحموي عن شقراء بوصفها ماءً ورحبة واسعة لبني كلاب، ثم تحوّلها لاحقًا إلى قرية، مشيرًا إلى أنها أصبحت في القرنين الثالث والرابع الهجريين ضمن ديار ربيعة، ثم استوطنتها قبيلة تميم في القرنين الرابع والخامس، كما ورد في كتابات الهمداني ولغدة الأصفهاني عن قرى الوشم. وبيّن أن شقراء، بعد تحولها إلى قرية مستقرة، أصبحت موطنًا لخليط قبلي متنوع، ضم اللّامي، والكلابي، والنميري، والتميمي، والوائلي، إلى جانب أصحاب الحرف والصنائع التي تحتاجها أي قرية نامية. وفي تعقيبه على المحاضرة، أوضح رئيس سفارة الوشم الدكتور عبداللطيف بن محمد الحميد أن هذه الأمسية، بمحاضرها الأستاذ الدكتور عبدالعزيز الفيصل وعنوانها المميز، تمثل خطوة مهمة تفتح آفاقًا مستقبلية لدور سفارة جمعية الأدب المهنية في الوشم، بمدنه وقراه، ولا سيما في مجالات الأدب والثقافة، وبناء قاعدة بيانات شاملة لشعراء وأدباء الإقليم قديمًا وحديثًا. وأكد أن هذا التوجه يسهم في مدّ جسور ثقافية مع مثقفي الوشم وطلّاب العلم، أفرادًا ومؤسسات. وأضاف أن حضور الدكتور عبدالعزيز الفيصل لإحياء هذه الأمسية في شقراء، وبرفقته نجله الدكتور محمد الفيصل، أضفى على اللقاء مزيدًا من التميز والسمو، مشددًا على دعم الجمعية لهذه الطموحات باعتبارها جزءًا من أهدافها ورؤيتها. من جانبه، أكد المهندس فهد سعد البواردي أهمية توثيق مثل هذه المحاضرات مرئيًا وورقيًا، وعرضها بطرق مناسبة لتكون مرجعًا معتمدًا، إلى جانب ضرورة اختيار المكان الملائم لإقامة الفعالية بما يهيئ أجواء تفاعلية مثالية. كما شدّد على أهمية تسويق هذه الفعاليات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لضمان وصولها إلى جمهور أوسع، مشيرًا إلى أن المحاضرة عكست غزارة علم المحاضر وتمكنه، ومؤكدًا أنها كانت جديرة بعناء السفر لما حملته من ثراء تاريخي وجغرافي وأدبي، إضافة إلى حسن الاستقبال وكرم الضيافة. وفي سياق متصل، أوضح الدكتور عثمان المنيع أن الاجتماع الأول لسفارة الوشم، الذي عُقد برئاسة الدكتور عبداللطيف الحميد، شهد خلال مناقشة أسماء المحاضرين المقترحين إعلان الزميل محمد الحسيني موافقة الأستاذ الدكتور عبدالعزيز الفيصل على تقديم محاضرة في شقراء، وهو الخبر الذي لقي ترحيبًا كبيرًا من الأعضاء، لما يمثله حضور هذه القامة العلمية من قيمة رمزية ومعرفية لافتتاح نشاطات السفارة. وفي ختام الأمسية، عبّر الأديب الورّاق الوشيقري الأستاذ حمد الضويان عن تقديره للمحاضر، مشيرًا إلى أن الدكتور الفيصل حلّق بالحضور في فضاءات التاريخ القديم، وأجاد في تقديم نماذج من الشعر العربي، مسلطًا الضوء على قصيدة زياد بن منقذ الشهيرة، ومختتمًا حديثه بالشكر والتطلع إلى ندوات ومحاضرات مقبلة.