يصدف أن ترى أبًا جاوز الستين من عمره، يتنقل كل صباحٍ بين الجامعات والكليات بحثًا عن مقعد لدراسة ابنه، وخلال سنوات الدراسة يزور الأب "الحريص" الكلية عشرات المرات، مرةً لحل مشكلة في جدول الابن الدراسي، وأخرى لمراجعة أحد الأساتذة الذي منح الطالب درجةً متدنية! وثالثةً ورابعةً، وهكذا حتى تخرج الابن "المدلل"! وبعد سنوات وقد بلغ لأب الخامسة والستين، نراهُ يعاود البحث من جديد، هذه المرة عن وظيفة للابن الذي أكمل الثانية والعشرين من عمره، يتكرر هذا المشهد غير الطبيعي في محيطنا! والسؤال: لماذا يُصر بعض الآباء على حرمان ابنه من التصدي لتجارب الحياة، والتعود على أحوالها دون مساعدة "مُعيقة"؟ هل نحن أمام حالةٍ من الحُب المُفرط من جانب الأب؟ أم أن حياة الابن في نظر الأب فرصةٌ بديلةٌ، يتفادى خلالها ما وقع فيه من أخطاء في السابق؛ ليحقق ما فاته في قطار الأحلام؟ يؤكد علماء النفس والاجتماع أن التعلق بين الأفراد حالة بيولوجية، ونفسية، واجتماعية طبيعية، التي يبدأ ظهورها مع ولادة الطفل، حيث تنشأ أول وأقوى مظاهر العلاقات الاعتمادية بين الطفل ووالديه، ومع تقدم الإنسان في العمر تبدأ أنماط أخرى من حالات ومظاهر التعلق، كما هو الحال بين الأزواج والأصدقاء. ومن المؤكد -حسب العلماء- أن هناك مساحات آمنة للتعلق، التي متى تجاوزها الإنسان فإنه يدخل في مرحلة فقدان التوازن، الذي قد يكون سببًا في إعاقة أحدهم عن أخذ فرصته، ومواجهة الحياة والتكيف مع سياقاتها الاجتماعية المختلفة، إذ يحتاج كل إنسان للتجربة والتعلم من أخطائه، والتكيف الذاتي التدريجي مع متطلبات وظروف الحياة دون اعتمادية مفرطة على أحد. لا يُدرك الآباء أو الأمهات الذين يفرطون في دلال أبنائهم وبناتهم، ويقومون بالأعمال نيابةً عنهم، أنهم بذلك يساعدون على هشاشتهم النفسية وضعف شخصياتهم، حين يقفون عائقًا بينهم وبين فرصتهم في طريق التجارب، وخوض غمار الحياة كما خاضوها هم "معشر الآباء والأمهات" حتى صاروا أصحاب تجارب وحكمة! لا شك أن الحرص الممزوج بالخوف على الأبناء ومراعاتهم شعور طبيعي، وهو ناشئ عن محبة صادقة، لكن الإفراط في الحرص والخوف يتنافى مع الإيمان بالله، وهو الحافظ ومن بيده كل شيء، ولنا في حياة كثير من الأنبياء والمرسلين أسوةٌ حسنة، فمنهم من نشأ يتيمًا، كموسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. إن الواجب علينا أن نُربي تربية أخلاقية ودينية سليمة، ونقدم الدعم العاطفي والمادي دون تقتير ولا تبذير، ونُعِد أبناءنا وبناتنا للاستقلال ومواجهة الحياة وظروفها، ونراقب خطواتهم فيما هُم يكتسبون الخبرات في ميادينها، لا أن نعيش الحياة نيابةً عنهم، فهم الأقدر على فهم واقع الحياة الجديدة، ونحن الأقدر على المتابعة من نافذة الحب والفهم العميق بحاجتهم للتشجيع والمساندة الذكية.