أن ترى كتابًا على رفٍّ فهو شيء مألوف، لكنّ رمزيّته ربما أخفت وراءها سرًّا كامنًا عن المعرفة والزمن والإنسان. وكأنّ هذا الرفَّ حدُّ العالَم بين ما يملكه وما يتملّكه مثقفٌ مشغول، فالكُتُب تُوضع كما تُوضع ذاكرتنا في زوايا العقل مُصنّفة ومُرتّبة، وأحيانًا منسيّة.. وإنْ لم يبدُ النسيان هنا إعدامًا بقدر ما هو انتظار إلا أنّ الكُتب لا تموت بالإهمال وإنّما تدخل زمن الكمون كما لو كانت بُذورًا دفنتها يدُ الشتاء لتمنحها درسًا في التريّث حتى إطلالة الربيع. فليس كلُّ كتابٍ وُجِد بالضرورة ليُقرأ، كما أنّ ليس كلُّ ما يقبع على الرفّ وُضِع ليُهمَل. فثَمّة كُتُبٌ وُجدت كي تكون شاهدًا صامتًا؛ حيث بقاؤها أبلغ من تقليب صفحاتها، وسكونها أعمق من همهمة قراءتها. حين نمرّ أمام كتابٍ لم نقرؤه منذ سنوات فإنّ أعيننا لا تمرّ عليه خِفافًا؛ إذ ثَمّة حوارٌ صامت. فالغلاف ينظر إلينا كما لو كان يسأل: هل تغيّرتَ بما يكفي لتفهمني الآن؟ ونحن بدورنا نسأل: هل ما زلت صامدًا وصالحًا لهذا الزمان؟ وهكذا يتبادل الإنسان والكتاب شكوكهما. فالمعرفة ليست ثابتة والمتلقّي ليس هو نفسه كلّما عاد. يُثير دهشتي أنّ بعض الكُتب تُشبه أصدقاء الطفولة نعرفهم جيّدًا، لكنّ لقاءنا بهم بعد حين يكشف المسافة التي أحدثها الزمن. وكذلك هي بعض الكتب نفتح الصفحة الأولى فنشعر بالغربة لا لأنَّ النصّ تغيّر، بل لأنَّنا نحن من وجد نفسه في شيءٍ آخر. وقد يحدث العكس، فنكتشف أنّ الكتاب كان أكثر حكمةً من أعمارنا السابقة. وأحيانًا لا يبدو الأمر كما لو أنّنا نُهملها على الرّف، فهنالك كُتُبٌ تتعمّد الصعود بنفسها إلى أعلى الرفّ، وكأنّها تحمي نفسها من الاستهلاك السريع. إنّها تلك الكتب التي لا تُقرأ على عجل، ولا تُفهم في جلسةٍ واحدة. فهي كتبٌ تعرف أنّ بعض المعاني لا تُعطى إلّا بعد إمعان، وأنّ الفكرة الجيدة لا تفتح بابها لمن يطرقها بسطحية، وكأنّها تقول: «اقترب حين تكون متأهبًا». في المقابل ثمّة كُتبٌ تذبل على الرفّ؛ لأنها وُلِدت خارج سياقها، أو أنّها حمّالةُ أفكارٍ جاءت قبل أو بعد أوانها. ومع ذلك فقد يأتي يومٌ تُنتزَع فيه من عُزلتها، فتجد قارئها الذي يُشبهها. إذ التلاقي بين القارئ والكتاب يَحدث حين تتشابه الأسئلة لا حين تتطابق الأجوبة. إنّ كتابًا على الرّف يُذكّرنا بحدود الادّعاء، فكم مرّة تفاخرنا بمكتبةٍ عامرة، ونحن لم نغترف من بحرها إلّا النزر اليسير! غير أنّ هذا ليس نفاقًا بالضرورة؛ فقد تكون المكتبة وعدًا خارت قوى الوفاء به. أضف إلى ذلك أنّ قيمة الرفوف لا تكمن في امتلائها، بل في قُدرتها على الاحتفاظ بعنصر الدهشة. وأن يكون حولك دائمًا مِن الغموض لمَّا تسبر أغواره بعد. وأنا حين أمرّ بين الفينة والأخرى لأتحسس كتابًا على الرف لا أفعل ذلك بوصفي قارئًا يُفتّش عن ذخائر نصٍّيّة، بل بوصفي إنسانًا يُفتّش عن نفسه.. أعترف أنّي أمدّ يدي أحيانًا إليه ثم أتراجع، وكأن بيني وبين الكتاب اتفاقًا غير مكتوب؛ إذ لسنا على موعدٍ بعد. لكني أتأمّل عنوانه وأتذكّر اللحظة التي اشتريته فيها، والسؤال الذي حملني إليه، أو الطموح الذي ظننته يومًا سيُغيّر مسار حياتي من خلاله. ومع ذلك فبعض الكُتب لا أفتحها، لكنّني أشعر بأنها قرأتني جيدًا؛ فتعرف ارتباكي، وتُدرك أنني لست الشخص ذاته الذي كنتُ عليه حين وضعتها هناك. فأمضي وأتركها في مكانها لا ازدراءً، بل احترامًا لزمنٍ لم تكتمل صورته بعد. وكأنّ هذا المرور الصامت بيني وبينها شكلٌ من أشكال القراءة المؤجّلة التي أستبطنها بالحدس لا بتقليب الصفحات. ثم إنّه لمن العجب أنّ الكُتُب حتى وهي مُغلقة تعمل أحيانًا في اللاوعي. فعناوينها تسكن الذاكرة، وأسماء مؤلفيها تتداخل مع أفكارنا، ومواقعها على الرّف ترسم جغرافيّةً ذهنيّةً لنا. وربما دون أن نلاحظ فإنّها تُلقي بظلالها على قراراتنا وتُهذّب أفكارنا وتُليّن أحكامنا. وكأن القراءة فعلٌ لا يبدأ بالفتح ولا ينتهي بالإغلاق. وفي النهاية.. فإنّ كتابًا على الرّف ليس علامة كسلٍ معرفي، بل شاهدٌ على علاقةٍ مُعقّدة بين الإنسان وروافد المعنى. فنحن لا نقرأ لننزوي بل لننفتح، وبعض الانفتاح يحتاج مسافة وصمتًا وربّما تأجيلًا. لذلك.. اترك يا صاحبي كتابًا على الرفّ ولا حرج. ودعه يراك كلّ يوم، بل واركب الزمن معه مُتأنِّيًا، فسيأتي حتمًا الوقت الذي ينزل فيه لوحده دون استدعاء، ويجلس أمامك ليقول: الآن.