مع اقترابنا من نهاية عام 2025، يقف قطاع الطاقة الشمسية في المملكة العربية السعودية عند مفترق طرق تحوّلي بالغ الأهمية. فما بدأ قبل سنوات كأحد الركائز الطموحة لرؤية السعودية 2030، تطوّر خلال الأعوام الأخيرة ليصبح واحداً من أكثر التحولات في قطاع الطاقة واقعية وتسارعاً على مستوى المملكة. وخلال الاثني عشر شهراً الماضية، لم يعد النقاش يدور حول ما إذا كانت الطاقة الشمسية ستلعب دوراً في مستقبل السعودية، بل حول الكيفية الاستراتيجية التي سيتم من خلالها دمج مصدر الطاقة هذا ضمن منظومة الطاقة الوطنية. العام 2025: عام الزخم وتحقيق إنجازات مفصلية شهدت المملكة خلال عام 2025 تسارعاً لافتاً في توسّع قدراتها من الطاقة الشمسية، ما عزّز مكانتها بين أسرع أسواق الطاقة الشمسية نمواً على مستوى العالم. وكان في صميم هذا التقدّم إطلاق وتنفيذ مشاريع كبرى على مستوى المرافق العامة، إلى جانب جولات طرح حديثة أسفرت عن إضافة قدرات من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تجاوزت 4.5 غيغاواط عند الذروة، موزّعة على عدد من مناطق المملكة. وتسارع هذا التحوّل بشكل أكبر مع تطوّر تسعير كهرباء الشبكة في مايو 2025 لقطاعي الأعمال التجارية والصناعية. فمع تغيّر تعرفة الكهرباء، برزت الطاقة الشمسية ليس فقط كخيار مستدام، بل كبديل تنافسي يمكّن الشركات من تحقيق قدر أعلى من استقرار التكاليف وتعزيز مرونتها التشغيلية. ويعكس هذا التسارع تحوّلاً أوسع في النظرة إلى الطاقة على مستوى المملكة. فلم تعد الطاقة الشمسية تُطرح باعتبارها مبادرة بيئية فحسب، بل بات يُنظر إليها على نحو متزايد كأصل استراتيجي يدعم أمن الطاقة، ويحفّز النمو الصناعي، ويوفّر استقراراً طويل الأمد في التكاليف. وإلى جانب محطات الطاقة الشمسية على نطاق المرافق العامة، شهد عام 2025 تنامي الوعي بإمكانات الطاقة الشمسية الموزّعة، لا سيما في المراكز الحضرية. وتشير دراسة إقليمية حديثة إلى أن ألواح الطاقة الشمسية على أسطح المباني قادرة على فتح آفاق واسعة لتوليد الكهرباء داخل المدن؛ إذ تمتلك مدينة الرياض وحدها أكثر من 158 كيلومتراً مربعاً من المساحات السطحية الملائمة فنياً، بما يتيح – في حال استغلالها بالكامل – توليد نحو 40% من احتياجات المدينة من الكهرباء. أين السعودية من كل هذا اليوم ومع دخولنا عام 2026، تمضي المملكة بخطى متسارعة في التحوّل من الاعتماد المكثّف على توليد الكهرباء من الوقود الأحفوري إلى مزيج طاقة متنوع يستهدف الوصول إلى 50% من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، وتحقيق الحياد الصفري للانبعاثات الكربونية بحلول عام 2060. وقد أسهمت الشراكات الاستراتيجية بين القطاعين العام والخاص في تحفيز تدفّق الاستثمارات، وتعزيز الابتكار، ورفع كفاءة التنفيذ، على نحوٍ يضع المملكة في موقع متقدّم يصعب على كثير من الأسواق الناشئة مجاراته. كما يجري دمج تقنيات الطاقة الشمسية مع حلول مكمّلة، من بينها أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات وإنتاج الهيدروجين الأخضر، بما يتيح إنشاء بنى تحتية للطاقة النظيفة أكثر مرونة وتنوّعاً. وتُعد هذه الجهود محورية لضمان دمج التوليد المتقطّع للطاقة الشمسية بسلاسة ضمن الشبكة، وتوسيع نطاقه ليتماشى مع متطلبات الأحمال الصناعية. ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة. إذ تظل قضايا تكامل الشبكة، ونماذج التمويل، وتطوير سلاسل الإمداد المحلية، وبناء القدرات البشرية، محاور أساسية لتحقيق نمو مستدام. وتتطلب معالجة هذه التحديات نهجاً شاملاً يجمع بين الدعم التنظيمي، وتفعيل أسواق رأس المال، وتبنّي تقنيات مبتكرة. اتجاهات تستحق المتابعة في عام 2026 ومع تطلّعنا إلى المرحلة المقبلة، تبرز مجموعة من الاتجاهات الرئيسة التي ستشكّل ملامح الفصل التالي من ثورة الطاقة الشمسية في المملكة العربية السعودية: 1. الطاقة الشمسية الحضرية والتوليد الموزّع: من المتوقع أن تنتقل الطاقة الشمسية على أسطح المباني وأنظمة التوليد الموزّعة في عام 2026 من نطاق الاهتمام المحدود إلى استراتيجية رئيسة معتمدة. ومع تحسّن الجدوى الاقتصادية وتطوّر الأطر التنظيمية ذات الصلة، ستسهم الطاقة الشمسية الحضرية في تعظيم القيمة على جانب الطلب، وتعزيز مرونة منظومات الطاقة على المستوى المحلي. 1. تخزين الطاقة: سيشهد انتشار أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات تسارعاً ملحوظاً، وذلك بسبب انخفاض التكاليف وارتفاع قيمتها التشغيلية. وتُعد هذه الأنظمة عنصراً أساسياً لموازنة أحمال الذروة، وتمكين الطاقة الشمسية من تغطية جزء أكبر من الأحمال اليومية. 1. توطين التقنيات والنمو الصناعي: سيتجاوز توجّه المملكة نحو توطين تقنيات الطاقة الشمسية مجرّد تنفيذ المشاريع، ليركّز على بناء القدرات داخل المملكة. ومع مرور الوقت، سيؤدي ذلك إلى تعزيز سلاسل الإمداد المحلية، وخلق فرص عمل نوعية، وتأسيس تجمعات صناعية جديدة في مجال الطاقة النظيفة. 1. الصادرات الإقليمية والعالمية: وبالتوازي مع توسّع قطاع الطاقة الشمسية في المملكة، تعمل السعودية على بناء خبرات يمكن تصديرها إلى ما وراء حدودها. وعلى المدى المتوسط، ستتحوّل المملكة إلى مصدر للمعرفة والكفاءات في مجال الطاقة الشمسية، وليس للطاقة النظيفة فحسب. 1. تأجير الطاقة الشمسية كحل عملي: يشهد نموذج تأجير محطات الطاقة الشمسية زخماً متزايداً في المملكة، مع سعي الشركات إلى خفض التكاليف دون استنزاف رؤوس أموالها. ونحن في شركة Yellow Door Energy، نلمس توجهاً متنامياً لدى الشركات متعددة الجنسيات والإقليمية لاعتماد نموذج التأجير القائم على النفقات التشغيلية، بدلًا من نموذج الشراء التقليدي القائم على الإنفاق الرأسمالي، ما يتيح التحوّل إلى الطاقة الشمسية دون أي استثمار أولي. الخلاصة: ملامح رؤية تتبلور للطاقة الشمسية شكّل عام 2025 محطة مفصلية انتقلت فيها الطاقة الشمسية من حيّز الخطط والدراسات إلى صلب الاستراتيجية الوطنية للطاقة في المملكة. ومع دخول عام 2026، تتسع آفاق الفرص على نحو غير مسبوق، فيما تتمتع المملكة العربية السعودية بمقومات قوية تؤهلها لصياغة مستقبل أكثر مرونة وتنوّعاً واستدامة على صعيد الطاقة. بقلم: هشام بن فيصل الحجيلان، الرئيس التنفيذي لشركة Yellow Door Energy في الشرق الأوسط