ليلة لندنية باذخة جادت علينا برفقة نادرة من أزمنة درويش والقصيبي والطيب صالح ومواسم الهجرة للشمال، تحول معها الجو الاحتفالي بنهاية العام إلى فيلم وثائقي حي يستعيد ذاكرة المكان ويرسم ملامح مرحلة ثرية لم يُقل كل شيء عنها بعد.. من أطراف «ايدجوار رود» إلى «ريجنت ستربت» و»بيكاديلي» مروراً بأشهر الطرقات وأعرقها «اكسفورد ستريت» كان إبراهيم الحاج يسير بنا وسط الحشود، يحكي ويرسم ويستحث الذاكرة عبثاً لاستعادة وتأثيث المشهد، وفجأة يتوقف، يتأمل، يطلق بصره إلى السماء، كأنما يستمدها شيئاً ما، قبل أن يواصل السير والحديث ولسان حاله: وإن أعادوا لك المقاهي القديمة.. فمن يُعيد إليك الرفاق؟! تحدثنا طويلاً عن جدة والبلد ومكة والحمراء وشارع فلسطين، وأيام الإذاعة وجمعية الثقافة والفنون، وحتى عن الدراسة والترجمة والاغتراب، وعن سرديات «هرجيسا» وبقية جاراتها المشاطئة لأهم المعابر المائية وأكثرها اشتعالاً بالأزمات، قبل أن يمتد الحديث للموسيقى والفن وثنائيات محمد عبده وطلال.. إبراهيم كما غالبية جيله طلاليٌّ حتى النخاع، يشبّه «أبو نورة» بالنجم البرتغالي كريستيانو رونالدو، بينما طلال «ميسي»، موهبة فطرية، وقدرة إلهية، وأداء ملائكي أخاذ، وفوق كل ذلك حضور وتفاعل إنساني مذهل. كما يقول. فيما كان أبو نورة ليلتها يستعد لإحياء حفل لندني آخر، هذه المرة بالتزامن مع احتفالات رأس السنة في عاصمة الضباب كما يحلو لبعضهم تسميتها. مصادفة كان هذا التوافق ربما. لكن المؤكد أن استمرار العطاء والتألق العبداوي لأكثر من نصف قرن ليس مصادفة أبداً.. قبل أسبوع وأكثر كنت شاهداً على هذا التألق حين ساقتني الأقدار نحو مسرح صدى الوادي بالدرعية الذي حولتنا فيه آهات «أبو نورة» وموّالاته في أقسى ليالي ديسمبر الباردة لكائنات مشدوهة لا تقوى إلا على الترداد والتطريب.. أداء مسرحي مذهل لفنان العرب استعاد فيه حماسة البدايات وفورتها، وغنّى بذاكرة الليالي الملاح التي صافح فيه جمهوره بأغنياته الخالدة للمرة الأولى في حالة وجدانية آسرة تجلّى فيها «أبو نورة» كما لم يفعل منذ أعوام.. توجّد ب»المعازيم» وهام ب»المعاناة» وتولّه ب»ترحّب بغيري» وتغنّى بالعديد من روائعه الطربية الخالدة قبل أن يودع السميّعة ب»لنا الله» في ليلة استثنائية عنونها أبو نورة على طريقته ب»الحظ الليلة كريم،، والبرد الليلة شديد».. يا له من حظ ويا له من كرم هذا الذي سما بوجدان الأجيال وطوّف بأرواحهم في فضاءات المعنى والمغنى لأكثر من خمسة عقود، صنع خلاله حضوراً رومانسياً في الذاكرة، يزيده التكرار والتقادم شيوعًا وألقاً.. ليلة «صدى الوادي» كانت مسرحاً لمواجهة فريدة بين «أبو نورة» وبين أشد مساءات العاصمة برودةً وأكثرها انخفاضاً في درجات الحرارة حتى الآن، يمضي الليل، يشتد البرد، يتشكل الصقيع، بعد ملامسة درجات الحرارة المحسوسة للصفر المئوي.. في المقابل، يتسلطن فنان العرب بشموخ، يعتدل في جلسته، يحتضن عوده، يلاعب أوتاره، يمد صوته، ويلوّن درجاته بتوزيع موسيقي أخاذ، في مشهدية طربية نادرة تحولت فيها أمسية «وادي صفار» لأكثر الليالي دفئًا وأشدها حيوية.. حفل باذخ ومشاهد لافتة أكدت استثنائية محمد عبده وتفرده على المسرح الغنائي بعد أن بات يحلّق بين جنباته وحيدًا رغماً عن كل الشامتين والمتربصين من أرباب المقارنات والثنائيات التي تجاوزها الزمن وأضحت وسيلة للتشغيب والاستنقاص والتشفي لا أكثر.. مهلاً، إلى أين أخذنا هذا العبداوي المفتون؟! لندن؟ الدرعية؟ صدى الوادي؟ لست أدري، هكذا سار الحديث بعد أن أثاره اللندني الأثير الزميل بدر القحطاني على مائدته الباذخة في ريشموند على انعطافة وادعة لنهر التايمز العريق غداة رجحان رهاناته في أحد أهم ملفات المنطقة حساسية وأكثرها أهمية.