تتجه كوريا الجنوبية لامتلاك غواصات نووية لتعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة التهديدات الإقليمية. هذا ما أكد عليه جيمس هولمز، أستاذ الاستراتيجية البحرية في كلية الحرب البحرية الأميركية والخبير السابق في البحرية الأميركية وله خبرة واسعة في الشؤون العسكرية والدبلوماسية، في تقرير نشرته مجلة "ناشونال إنتريست" الأميركية. وقال هولمز إن كثيراً من الدول ترغب في امتلاك غواصات نووية لأسباب تتعلق بالهيبة الوطنية أكثر منها بالحاجات الأمنية. لكن كوريا الجنوبية في موقع يمكنها من استخدام هذه الغواصات بفاعلية. ويضيف أنه لم يكن من المتوقع أن تبني كوريا الجنوبية غواصة تعمل بالطاقة النووية بمساعدة أميركية ضمن توقعاته لعام 2025. ومع ذلك، يبدو أن ذلك صار واقعا. ففي 29 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن الرئيس دونالد ترمب أنه مقابل تخفيف الرسوم الجمركية واتفاق على شراء الهيدروكربونات من الولاياتالمتحدة "منحت سول الموافقة على بناء غواصة تعمل بالطاقة النووية، بدلا من الغواصات التقليدية القديمة والأقل مرونة التي لديهم حاليا"، وقد رحب هذا الإعلان بكوريا الجنوبية في نادي حصري من الدول المستفيدة من تكنولوجيا الدفع النووي الأميركية، وخاصة وقود اليورانيوم المخصب، إلى جانب المملكة المتحدة وأستراليا. ويضيف هولمز أنه بالطبع، بالغ ترمب في تقدير مزايا الغواصات النووية مقارنة بأشقائها التقليدية. ويختار القادة البحريون الأذكياء الأداة الأنسب للمهام، وليس بالضرورة أن تكون الأداة الأحدث أو الأغلى ثمنا. كل ذلك يعتمد على السياق العملياتي والتكتيكي، فضلا عن قدرات الخصوم المحتملين. ويمكن أن تكون التكنولوجيا القديمة جيدة أو بشكل أدق جيدة بما يكفي، وهو ما يكفي في الشؤون العسكرية. ويضيف أن القوة الزائدة ما هي إلا هدر. وبحسب هولمز، يبدو أن القائد الأعلى نفسه يفهم هذه الفكرة جيدا. فقد أعلن سابقا عن دعم استخدام السفن الحربية القديمة أو نسخها الحديثة، تلك الوحوش التقليدية بكل المقاييس، كأساس للحرب السطحية المستقبلية. كما دعا إلى إعادة تركيب المقاليع البخارية على متن حاملة الطائرات الأميركية، بدلا من أنظمة الإطلاق والاسترجاع الكهرومغناطيسية الحديثة الموجودة على فئة حاملات الطائرات من طراز جيرالد فورد، أحدث هذه الفئة، مقدما بذلك التكنولوجيا البخارية القديمة التي تعود أصولها إلى خمسينيات القرن الماضي. ينطبق مبدأ أن القديم يمكن أن يكون جيدا أيضا تحت سطح البحر. ففي كثير من الحالات، تكون الغواصات التقليدية العاملة بالديزل والكهرباء (إس كي كي)، والتي استخدمت منذ أكثر من قرن، مناسبة تماما للزمن والظروف المحيطة. فقد استخدمت قوات الدفاع الذاتي البحرية اليابانية غواصات (إس كي كي) بفاعلية كبيرة خلال الحرب الباردة، حيث كانت ترسلها لمراقبة السفن السوفييتية أو الصينية وقطع خطوطها إذا لزم الأمر عبر المضائق على طول سلسلة الجزر الأولى. وقد استأنفت اليابان مؤخرا عمليات منع الوصول في هذا العصر الذي تهيمن فيه الصين بقوة. بعبارة أخرى، غالباً ما تكون الغواصات العاملة بالديزل كافية للمهام وفقا للزمان والظروف المحيطة. فهي منخفضة التكلفة مقارنة بالغواصات الهجومية النووية، بحيث يمكن لبحرية محدودة الميزانية أن تمتلك عدة غواصات ديزل مقابل ثمن غواصة نووية واحدة فقط. ولكمية الغواصات وزنها الخاص. فأسطول غني بالأعداد يتيح للقادة توزيع القوات على مساحات جغرافية أكبر، أو تشغيل مجموعات "الذئاب" ضد أساطيل العدو. كما تمتلك غواصات الديزل القوة النارية الكافية للتعامل مع السفن السطحية والأهداف البرية، ونطاق تشغيل يسمح لها بالوصول إلى مناطق الدوريات المجاورة والبقاء فيها لفترات طويلة. وهي تعمل بصمت كاف لتجنب الاكتشاف الصوتي، وتمتلك أحدث الغواصات العاملة بالديزل المزودة بالدفع المستقل عن الهواء(إيه آي بي) القدرة على البقاء تحت الماء لأسابيع عدة دون الحاجة إلى السباحة السطحية لتجنب اكتشاف صائدي الغواصات الجويين أو السطحيين. وهذه الصفات ليست بالهينة على الإطلاق. ومع ذلك، مثل مشغلي الغواصات النووية الآخرين، ستستفيد سول استفادة كبيرة من إضافة الدفع النووي إلى أسطولها. أولا، بينما تركز الغواصات العاملة بالديزل بشكل رئيسي على مطاردة السفن السطحية أو قصف المواقع البرية، تتميز الغواصات النووية بالسرعة والقدرة على مطاردة غواصات أخرى. وتعتبر الخدمة الصامتة للبحرية الأميركية أن أفضل صياد للغواصات هو غواصة أخرى. وبالتالي، فإن الغواصات الهجومية التي تعمل بالطاقة النووية التابعة للبحرية الكورية الجنوبية، ستكون مناسبة لمواجهة أسطول الغواصات الكوري الشمالي، الذي يعد واحدا من أكبر القوى تحت السطحية في العالم، وإن كانت ذات جودة مشكوك فيها، ويضم حاليا غواصتين نوويتين مزودتين بصواريخ باليستية. وستشكل الغواصات النووية التابعة لكوريا الجنوبية إضافة طبيعية لقوات مكافحة الغواصات السطحية والجوية. ثانيا، يتيح الدفع النووي البحري للغواصة النووية قدرة تشغيلية تحت الماء تتجاوز بكثير قدرات أي غواصة هجومية تقليدية متقدمة. فالحد الحقيقي الوحيد لوقت الغواصة النووية تحت الماء هو إمدادات الطعام والاحتياجات الأخرى للطاقم. على سبيل المثال، تقوم الغواصة الصاروخية الباليستية التي تعمل بالطاقة النووية الأميركية بدوريات تحت الماء تصل إلى 77 يوما. وهناك ما يكفي من الغواصات للحفاظ على وجود دائم للعديد من هذه الغواصات في البحر، ما يعزز الردع النووي. وعندما تبني البحرية الكورية الجنوبية عددا كافيا من غواصات الذيزل، سيكون بمقدورها أيضا الحفاظ على وجود دائم ومتجدد، وغالبا غير قابل للكشف، في المياه المحيطة بشبه الجزيرة الكورية. وهذا الوجود الدائم سيترك تأثيرا استراتيجيا على صنع القرار في بيونغ يانغ، وقد يفرض قيودا جديدة على نظام كيم جونغ أون. ثالثا، سيوسع وجود غواصات هجومية تعمل بالطاقة النووية نطاق العمليات البحرية للبحرية الكورية الجنوبية، مما يفتح آفاقا استراتيجية وسياسية جديدة للبلاد. وعلى الرغم من أن كوريا الشمالية ستظل الأولوية القصوى بالنسبة لسول ما لم يسقط نظام كيم، فإن العمليات في مناطق أخرى من المحيطين الهندي والهادئ ستصبح ممكنة التفكير. ومن الاحتمالات الطبيعية تشكيل تحالف كبير مع القوات البحرية التابعة للتحالف الأمني "أوكوس"، جميعها ستشغل غواصات نووية خلال السنوات المقبلة. ويقول هولمز إنه قبل أكثر من ألفي عام، وفقا للمؤرخ اليوناني ثوسيديدس، أعلنت وفود أثينية أن "ثلاثة من أقوى الدوافع" التي تحرك المجتمعات والأفراد هي "الخوف والشرف والمصلحة". وقد تختلف المصادر الكلاسيكية حول ترتيب هذه الدوافع، لكن هذا التصنيف يبدو مناسبا لتفسير سعي كوريا الجنوبية للحصول على غواصات هجومية نووية. فدرء الخوف من العدوان الكوري الشمالي، الذي يشكل تهديداً مميتاً، يجب أن يكون الأولوية القصوى في أي استراتيجية عسكرية لكوريا الجنوبية.