لم يكن فريدريك نيتشه وهو يطرح فكرته الصادمة عن العود الأبدي يسعى إلى تأملٍ ميتافيزيقي بقدر ما كان يُفتّش عن امتحانٍ أخلاقي للإنسان الحرّ؛ حيث جاءت فلسفته بوصفها أحد أعقد التصورات الميتافيزيقية التي صاغها الفكر الغربي الحديث في لحظة القطيعة مع الدين والغاية. فأنْ تعيش حياتك وكأنها ستتكرّر للأبد ليست إلا مُساءلةً للذات إذا ما كنتَ ستختارها مرة أخرى.. إنّ هذه الفكرة التي بدت عند نيتشه ذروةً في التمرّد على الدين والميتافيزيقا لم تكن في حقيقتها إلا ميتافيزيقا مقنّعة تُنكر وجود الله، وتنقض الغائية لِتُؤسسَ عبوديةً أخرى للمصير. تبلورت فكرة العَود الأبدي لدى نيتشه في مرحلة ما بعد إعلان «موت الإله» وهي المرحلة التي سعى فيها إلى إعادة تأسيس القيم وفق الإنسان ذاته بوصفه إلهًا جديدًا للعالم الأرضي. وقد وردت الفكرة أول مرة في كتابه (العِلم المرح) وتجلّت بوضوح في (هكذا تكلّم زرادشت). ينطلق نيتشه من تصورٍ قديمٍ للزمن كان مألوفًا في الفلسفات الشرقية واليونانية؛ حيث الزمن لا يسير إلى غاية، وإنّما يدور في حلقةٍ أبدية تعود فيها كلّ الأحداث كما كانت بالضبط، فلا بدء ولا نهاية بل حركة أزلية من التكرار الكوني التي يُعاد فيها كل شيء بلا معنى وبلا هدف سوى ذات التكرار. فثمّة فرضية يُقدمها نيتشه هنا تتمثّل في أنّ العالم نظام مغلق، وأنّ عدد الذرات والاحتمالات محدود ما يجعل كل التراكيب المُمكنة تعود لا محالة بعد زمنٍ كافٍ وفق تصورٍ مادي حتميّ للكون. لكن هذا القبول الذي يتراءى لِنيتشه بوصفه قيمةً يُخفي في عُمقه استسلامًا مغلّفًا بالشجاعة، فالعَود الأبدي لا يُقدّم خلاصًا، بل يُجمّد الإنسان في لحظة عبث لا نهائية، إذ إنّ البعد الأعمق للفكرة ليس علميًّا بل أنطولوجيّاً؛ حيث يُراد للعود الأبدي أن يكون بديلاً عن فكرة البعث. وكأنّها فلسفة الرضا بلا أمل أو القبول بلا معنى أو العيش بلا غاية، ذاك أنّ الغايات عند نيتشه أوهام العبد، أما الحُرّ فيرقص فوق العدم. في حين أنّ الزمن في ثقافتنا الإسلامية ليس دائرة بل خطّ مستقيم.. يبدأ من الخلق وينتهي إلى البعث، ويمرّ عبر الابتلاء والتمحيص ليصل إلى الجزاء؛ حيث الوجود ذاته قائم على الحكمة وليس على العبث، قال تعالى: «أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا تُرجعون» (المؤمنون: 115). وهنا يختلف المعنى الأنطولوجي للوجود اختلافًا جوهريًّا، وينقلب التصوّر رأسًا على عقب، إذ المسؤولية في الإسلام تُفهم في ضوء المآل لا الإعادة؛ فالزمن في وعي المسلم ليس فخًّا بل فرصة، وليس دائرةً مغلقة بل خطًّا يُفضي إلى الأبد الحقّ. ومن حيث هي فكرتا الجبر والحرية، يُقدَّم العود الأبدي عادةً بوصفه ذروة الحرية، فيُختبر الإنسان فيه بقدرته على القبول اللامشروط لوجوده. لكن هذه الحرية الظاهرة تنقلب إلى جبرٍ كونيٍّ مطلق، وهنا يلتقي نيتشه –على غير وعيٍ منه– مع أشدّ صور الجبرية قسوةً؛ حيث ينسف حرية الإنسان وإنْ ادعى الدفاع عنها. فإذا كان كلّ شيء سيعود بالضبط كما حدث، فسيبدو كلُّ قرارٍ مُتكررًا بالضرورة ومن ثَمّ لا مجال للاختيار الحقيقي. أما في الإسلام، فالقدر ليس تكرارًا، بل تقديرٌ مشفوعٌ بالعلم والحكمة، والإنسان حرّ في الفعل ضمن أُفق الإرادة الإلهية التي لا تُبطل مسؤوليته، قال تعالى: «وهديناه النجدين» (البلد 10)، فالاختيار قائم والجزاء مبنيّ عليه، والعودة الحقيقية ليست مآلاً إلى التكرار بل إلى الله سبحانه؛ حيث الزمن يفضح الغفلة ويمنح فرصة للتوبة. ولذلك فإن فكرة العود الأبدي، لو أُسقطت على ثقافتنا، لبدت نُكوصًا عن الوعي بالتاريخ والنبوة والبعث؛ فهي تنفي النبوة بنفيها البداية، وتنفي البعث بنفيها النهاية. وباعتقادي، فإنّ العود الأبدي –كما أراده نيتشه– ليس سوى محاولة يائسة لصناعة الخلود من داخل عالم مادي غارق في التجديف، إنّه محاولة لجعل الزمن ذاته مصدرًا للمعنى بعدما اُستبعد الإله، ومن هنا تظهر المفارقة، فنيتشه الذي أعلن موت الميتافيزيقا عاد ليصوغ ميتافيزيقا جديدة للزمن تحلّ فيها الدائرة محلّ الأبد، والعَود محلّ البعث. غير أنّ الإسلام يُقدّم الخلود الأخلاقي في الآخرة، لا بوصفه عودةً إلى الحياة ذاتها، وإنّما ارتقاءٌ أبديٌّ إلى حياةٍ أصدق. وهكذا يتبدّى الفرق الجوهري، فإذا كان نيتشه يريد أن يُخلّد الإنسان في الزمن، فإنّ الإسلام يمنح الخلود في ما بعد الزمن، وإذا كان نيتشه يجعل الزمن معبودًا، فإنّ الإسلام يجعل الزمن طريقًا إلى المعبود.