حذّر إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالباري بن عواض الثبيتي -في خطبة الجمعة- من التفاخر والتكبّر، والاستعلاء على الناس، أو السخرية منهم وازدرائهم، أو التكبّر عليهم بالقول أو الفعل؛ لأن ذلك اعتراض على أقدار الله، ورزقه، ويورد المرء لإفساد علاقاته بمجتمعه، ويوقعه في مسالك الشيطان. وأضاف أن كلمة "أنا أفضلُ منه" قد تتردد على الألسن أحيانًا، لكنها في حقيقتها ليست مجرد عبارة تُقال، بل شعورٌ خفيٌ، يتسلّل إلى القلوب، ويستقرّ في أعماق النفس حتى يورد صاحبها موارد السقوط. وتابع أن عبارة "أنا أفضلُ منه" تولدُ من وَهم المقارنات، حين يرى المرء نفسه الأجدر بالفضل، والأحقّ بالمكانة، والأَولى بالرِّفعة، لأنه يظنُ أنه يملكُ من المؤهلات والقدرات، ما لا يملكه غيره ثم يزدري ما أصاب غيره من رزقٍ أو منصبٍ، ويقول جهرًا أو في نفسه: "أنا أولى منه"، "أنا أعلمُ"، "أنا أذكى"، "أنا أحقّ بالمكان"، وهذا الشعور في حقيقته اعتراض خفيٌّ على عدل الله، وتشكيك في حكمته، كأن صاحبه -والعياذ بالله- يستدركُ على خالقه في تقسيم الأرزاق والمناصب والوجاهة. وأوضح أن من استسلم لدوامة المقارنات، وقع في الشِركِ الخفيّ، وسار على الطريق الذي هلك فيه أولُ عاصٍ، مضيفًا أن هذه الكلمة لا تتوقف عند حدود اللسان، بل تتكرر بأشكال شتى في حياة الناس، قد لا تُقال صراحة لكنها تُفهم من نظرة متعالية، أو ضحكة ساخرة، أو نبرة مستعلية، أو سكوتٌ يقطُرُ احتقارًا، أو حتى من عبارة عابرة، تُخفي في طياتها ازدراءً مبطنًا، يقولها المُدير حين يزدري موظفيه، ويقولها الغنيّ حين يشعرُ الفقير بالدونية، ويقولها المتديّن حين يحتقر العاصي، ويقولها من يفاخر بعقله أو نسبه أو علمه. وبيّن أن ادعاء المرء بالأفضلية أو التعالي على الآخرين، قد تقال باسم الدين، حين يظنّ المرء أن الحقَّ حصرٌ فيه، وقد يخفيها بعض الناس تحت ستار النصح أو الدعوة أو الجِدال، لكنها في جوهرها كبيرٌ صريحٌ، فمن أطلقها وهو يزكّي نفسه، ويرى أنه أرفع من الناس قدرًا أو منزلة، يقترنُ قولهُ بكبيرٍ في القلب، وبطرٌ للحق، وازدراءٌ للخلقِ، فقد سلك طريق إبليس، وإن تغيرت الألفاظ وتبدّلت الصور. وذكّر أن ما أعطاه الله للعبد فهو خير، وإن بدا في قليلًا، وما منعه إياه ففيه رحمة، وإن ظنه حرمانًا، وقد يكون في التأخير سترٌ، وفي المنع لطفٌ، وفي الفَقدِ نجاةٌ فليكن المؤمن عبدًا للرضا، لا أسيرًا للمقارنة، والزلل، أن يجعل النعمة سلمًا لاحتقار الآخرين، أو ميزانًا للتفوّق المُطلق، ورُبّ من استصغر شأنه يكون عند الله أرفع منه بدرجات.