تسيطر ذكريات العيد قديما على أحاديث كبار السن كلما أطلت المناسبة السعيدة بهلالها المنتظر، حنين إلى سنوات مضت ظلت مرافقة لهم ومتغلغلة في دواخلهم، تقاليد وعادات غنية ومتنوعة يدخل كثير منها في خانة المشترك بين المناطق، وإجماع على أن النقاء والبساطة عنوانان بارزان للإنسان والمكان على امتداد بلادنا الحبيبة، وعندما يتحدث الآباء والأجداد تفيض الذكريات ممزوجة بالحنين لموروث طاله النسيان وآل جزء كبير منه للاندثار، دون تسخير الجهود لإحيائه أو الحفاظ على ما تبقى منه، ويستعيد الباحث والمؤرخ د. فؤاد بن ضيف الله المغامسي خلال حديثه ل"الرياض" جوانب من التقاليد القديمة للعيد والتي طويت صفحاتها مع تباعد الزمن وتباعد الدور واتساع رقعة المدينة الجغرافية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتقنية الاتصالات الحديثة. استعدادات العيد وقال د. المغامسي : تتعدد المناسبات الاجتماعية ومن أهمها "عيد الفطر وعيد الأضحى" ولكل مجتمع من المجتمعات عادات اجتماعية لها في وجدانهم ذكرى وحنين بقي منها ما بقي، واختفى منها ما تأثر بمتغيرات العصر الحديث، ولكن ما زالت ذكريات الآباء تحمل في طياتها صورا جميلة لما كانت عليه الأعياد, ونحن نشخص ما بقي منها ونوثق ما حملته الذكريات للأجيال، فلم يكن العيد في المدينةالمنورة قد بدأ إلا انطلقت الاستعدادات، فجرت العادة أن يقوم الأهالي بتجهيز بيوتهم بتنظيفها، وتقوم ربات البيوت بفرد المفارش والمراتب والسجاجيد وضربها بالعصا والمقش لرفع الأتربة والغبار العالق، وغسل البيوت وترميم ما يحتاج إلى ترميم وطلاء الجدران ويظهر البيت بحلته الجديدة، وهذه من العادات التي تأثرت بمتغيرات العصر الحديث. صوت ماكينة الخياطة وأضاف: من العادات القديمة تجهيز الملابس الجديدة للأطفال والكبار، وحمل هذا على ربت البيت فهي من تقوم بخياطة ملابس الأطفال "الكرتة وفستان العيد" للبنات، والثوب للأبناء وأيضاً كانوا يجودوا على نفسهم بهدايا الأقمشة التي سيتم تفصيلها بالعيد فلم تكن في تلك الفترة قد ظهرت محلات بيع الملابس الجاهزة بهذه الكثرة بل كان الاعتماد على الخياطة وأغلب النساء يجيدون الخياطة وهذه من العادات التي تغيرت بمتغيرات العصر فكثرة المولات وملابس الماركات واختفى صوت مكينة الخياطة في البيت، أما الفتيات فدورهم مهم وذلك بإعداد " الحلى" و "الضيافة" فمن المعلوم أن المطبخ المديني يتمتع بالتنوع والكم الهائل من الأصناف مثل" الفطير، وحيسة التمر، واللبنية، والبسبوسة، والغريبة, والمعمول، والدبيازة، والفتوت.. وغيرها الكثير، ولكن الجميل المفقود هو أنه كانت تأخذ الصواني التي يوضع فيها الحلى أو الخبز المعجون إلى الفرن ومشاهدة أهل الحارة أو الحوش كل مين ينتظر دوره عند الفران، وقد تغيرت هذه العادة بمتغيرات العصر الحديث وأصبحت محلات الشوكولاتة، ومحلات الحلويات والمخابز الإلكترونية تقوم بإعداد ذلك. مدافع العيد وتابع: مع انطلاق وضرب أول مدافع العيد من على جبل سلع ، أو من على قلعة قباء بعد صلاة المغرب أو قبيل صلاة العشاء إعلاماً بالعيد يبدأ الأهالي بتبخير البيوت، وتبدأ البنات بوضع الحناء وقبيل صلاة الفجر يبدأ التهليل والتكبير ولبس الجديد والذهاب إلى المسجد النبوي لصلاة الفجر وصلاة العيد ويحظى ذلك المنظر بتلاحم وترابط الأسرة متجهين مهللين ومكبرين بتكبيرات العيد إلى أن يصلوا إلى المسجد النبوي وهذا مازال ولم يتغير وذلك من نعم الله علينا، وتبدأ مراسم المعايدة بعد صلاة العيد وانتهاء الخطبة فيجتمع الجمع عند البيت الكبير وتبدأ الألعاب الشعبية والاحتفالات تنتشر مظاهرها في كل حواري وأزقة المدينة. الأبواب المشرعة وقال : كان أهالي الأحياء يخصصون يوما محددا تجد فيه جميع أبواب الحارة مفتوحة فيصف أحد سكان باب المجيدي ذلك بقوله: "تجد جميع الأبواب مفتوحة لا أحد يطرق الباب ولكن يأتي عند الباب ويسلم، ولابد أن يدخل ويأخذ من الأطباق ودلة القهوة ومرش الورد ويردد كل عام وانتم بخير"، وكانت الأحياء من المناخة وسكانها والأغوات وسكانها وأهل باب المجيدي وسكانها وأهل السيح وسكانها يجمعهم ذلك الميدان الفسيح بالمناخة حيث ألعاب للأطفال المراجيح الخشبية والبسطات التي تبيع المرطبات والمأكولات الشعبية، وأيضاً كانت تقام القيلات والعزائم طيلة أيام العيد وكان أهل الحوش أو الحارة هم عائلة واحدة يربطهم الإخاء والمحبة، وأما مع تباعد الزمن وتباعد الدور واتساع رقعة المدينة الجغرافية تلاشت بعض هذه السمات الاجتماعية وأيضاً مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتقنية الاتصالات الحديثة تغير الكثير، وهذه من ذكريات الحنين عند أهل طيبة الطيبة. التجمعات والمراجيح لقاءات المعايدة