جستنيه يسخر من مباراة النصر والأهلي    تركي بن طلال يرعى ورشة العمل الدولية للحدائق والطرق النموذجية    المبعوث الأممي يحذر: هدنة ليبيا تنهار    صورة مؤثرة لولي العهد أثناء دفن الأمير طلال بن سعود    “الاتحاد الآسيوي” يُؤجل مباراتي الهلال والأهلي في دوري أبطال آسيا    تألق أرسينيو نونيز يُهدد انطلاقة الرائد    مسيرة فلادان ميلويفيتش تُطمئن جماهير الأهلي    إيداع ملياري ريال معاشات ضمانية وبدل غلاء معيشة للمستفيدين من الضمان الاجتماعي    سقوط تشكيلٍ عصابي ارتكب (22) جريمة سرقة بأحياء متفرقة في الرياض    "النقل التعليمي" يعرض فرصاً استثمارية لتطوير منظومته بالمملكة    وزير الإعلام المكلف لقيادات الوزارة والهيئات: الأداء غير مرضٍ.. ولا بد من آلة إعلامية قوية ترضي تطلعات المواطنين    ارتفاع عدد الإصابات بفيروس “كورونا” إلى 45 حالة في الكويت و36 في البحرين    شوستر: ريال مدريد بحاجة إلى كريستيانو    «الشثري»: قرار المملكة بتعليق العمرة يتوافق مع مقاصد الشريعة في مواجهة الأوبئة (فيديو)    فيديو.. إمام المسجد النبوي: بحفظ اللسان تتفاضل منازل العباد    “ساما” : 23 ألف قرض عقاري جديد في يناير 2020م    رابطة العالم الإسلامي تثمن إجراءات المملكة لحماية المعتمرين والزوار    بمساحة تجاوزت 36 مليون م2 في مختلف مناطق.. “إتمام” يعلن اعتماد 14 مخططًا في يناير    الشيخ السديس : الإجراءات السعودية الاحترازية تحقق مصلحة المعتمرين    واشنطن تطلق حرب اقتلاع «حزب الله»    «التجارة» تشهر بمواطن تستر على وافد يتاجر في ألعاب الأطفال    مؤتمر سعودي لكشف مستجدات كورونا.. وإجراءات للوقاية    هل يعدّ المتوفى جراء الإصابة ب«كورونا» شهيداً؟.. الشيخ «الشثري» يجيب (فيديو)    الكويت.. ارتفاع عدد الإصابات ب"كورونا" إلى 45 حالة    315 حالة ترفع إصابات «كورونا» إلى 2337 في كوريا الجنوبية    حريق قم.. 5 قتلى و66 جريحاً    إعلام تركي: مئات المهاجرين يسيرون نحو الحدود مع الاتحاد الأوروبي    معرض "لسان عربي" يسدل الستارة على فعالياته بحضور أكثر من 50 مدرسة    المملكة تفوز بجائزة الريادة في الاقتصاد الرقمي    “السياحة” تعلق إصدار التأشيرات السياحية ل 7 دول بسبب فيروس “كورونا” الجديد    مكتسبات وإنجازات للمرأة البحرينية في عهد الملك حمد بن عيسى    أردوغان يقطع الإنترنت عن شعبه عقب مقتل جنوده في إدلب    شاهد بالصور: العثور على مفقود شعيب الأبيض متوفياً    الصحف السعودية    طقس مستقر على معظم مناطق المملكة        دوري أبطال إفريقيا:    ما سر إطاحة «الأمريكي البذيء» ب«لوبستر»؟    أمانة جائزة الأميرة صيتة بنت عبد العزيز للتميز في العمل الاجتماعي تعلن أسماء الفائزين لعام 2019    المعلمي يستعرض مع مندوب مصر العلاقات الثنائية بين البلدين    خادم الحرمين يتلقى اتصالاً هاتفياً من ملك الأردن    الملك سلمان يؤدي صلاة الميت على الأمير طلال بن سعود    استقبل مدير شرطة الرياض ونائب قائد أمن الطرق ومدير المرور    المملكة تحصل على جائزة عالمية لجهودها الحثيثة في تطوير البنية الرقمية والتشريعية    الإفتاء المصرية : التعليق يحفظ أرواح المعتمرين    دعوة 357 مرشحا ومرشحة لوظائف العدل    ترقية أعضاء في النيابة وتعيين قضاة بديوان المظالم    تعليق إصدار التأشيرات السياحية مؤقتا لسياح بعض الدول التي ينتشر فيها كورونا    خادم الحرمين والرئيس الجزائري يستعرضان العلاقات والمستجدات    القوات البحرية تختتم تمرين «المدافع المختلط»    وزارة الرياضة والقادم غداً أفضل    ثقافة البهلوانية    حرب بلا هوادة.. على منغّصات السعادة!    مشاعر الامتنان في حياتنا    بقاء البنيان في ثبات الأركان    قضية الباحة (باقة ورد)..!    تقديرا لمكانته وتخليدا لذكراه .. الكويت تطلق اسم الرئيس الراحل حسني مبارك على أحد الصروح الهامة    أدبي أبها يواصل أنشطته الثقافية بأمسية قصصية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





هل سرق القرني أبيات ابن جَبَلة ؟!
نشر في الرياض يوم 01 - 03 - 2018

ست سنوات فصلت بين إدانة الشيخ عائض القرني وتغريمه مبلغ 330 ألف ريال في قضية سرقة كتاب الأستاذة سلوى العضيدان وبين إدانته مؤخراً وتغريمه 120 ألف ريال في قضية كتاب (صور من حياة الصحابة) للدكتور عبدالرحمن باشا، وقد سُلطت الأضواء بقوة على هاتين القضيتين نظراً لتصعيد أصحاب الحق ومطالبتهم بحفظ حقوقهم الفكرية وبتعويضهم عن الانتهاك الصريح الذي ارتكبه القرني، وفي المقابل لم تحظ الكتابات التي تحدّثت عن إغارته على قصائد الشعراء الراحلين بصورة مُباشرة أو غير مباشرة باهتمام مماثل أو مُقارب، رغم وجود كتابات سابقة لقضية «كتاب سلوى العضيدان» طرحت «احتمالية» اقتراف الشيخ للسرقة الشعرية. فقد رصد بعض النقاد التشابه الواضح بين قصيدته (أنشودة الطفولة) وبين قصيدة (البلبل الغريب) التي أهداها الشاعر بدوي الجبل (ت1981م) لحفيده محمد، فالاتفاق بينهما لم يكن على مستوى الوزن والقافية فحسب، بل تجاوز ذلك إلى التشابه الواضح على مستوى الألفاظ والصور والتراكيب، ولم يكن لدى القرني أدنى اهتمام بالإشارة إلى كونه ينسج على منوال قصيدة بدوي الجبل أو يُعارضها.
بالطبع لا يمكن إدانة الشاعر بسبب التشابه بين قصيدته وقصيدة شاعر سابق له، فالتشابه لا يكفي ليكون دليلاً قاطعاً على السرقة حتى وإن عدّه بعض خصوم الشاعر كذلك، لكنها ستكشف لنا عن وجهها بصورة أوضح في مناسبات وقصائد أخرى للقرني. ولا يفوتني قبل مُتابعة الحديث عن تلك المناسبات وتلك القصائد توضيح أن الهدف من كتابة هذه السطور ليس تتبع سرقات الشيخ أو إدانته، بل لفت الانتباه إلى طريقته الغريبة في التعامل مع إنتاج الشعراء ومع الأبيات التي يأخذها ثم يحشرها بين أبياته أو في مؤلفاته مُتجاهلاً حقوق مبدعيها في نسبة أبياتهم إليهم أو وضع ما يُمكن بواسطته تمييزها عن أبياته.
مُشكلة «الشيخ» أنه يتعامل مع قصائد الشعراء الآخرين وكأنها من بنات أفكاره، إذ يتساهل كثيراً في إدخال أبياتها بين أبيات قصائده من دون أي عناية بمسألة الإحالة على المصادر أو الإشارة إلى أن الأبيات من إبداع شعراء آخرين، برغم أنها مسألة بالغة السهولة ومُتعارفٌ عليها بين المؤلفين والأدباء، كما يستحيل أن تغيب عن شخص مثله. والأسوأ من ذلك أنه يتجرأ على إجراء تغييرات تُفسد الأبيات الأصلية ولا تزيد عليها، فعلى سبيل المثال لم يكتف في مقدمة كتابه (محمد كأنك تراه) بذكر أبيات من قصيدة للشاعر نزار قباني (ت1998م) وإيهام القراء بأنه نظمها في مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم. فقد أخذ سبعة أبيات مُتفرقة من قصيدة نزار «إليه في يوم ميلاده» التي كتبها في ذكرى ميلاد جمال عبدالناصر وقام بتشويه أحد أبياتها وهو البيت الذي يقول فيه نزار:
وتأبى جراحي أن تَضُمَّ شفاهَهَا
كأنَّ جراحَ الحُبِّ لا تتخثّرُ
قام بتغيير شطر العجز ليصبح البيت:
وتأبى جراحي أن تَضُمَّ شفاهَهَا
كأنَّ «جرح» الحب لا «يتخثرُ»
فقد استطاع بتغيير صغير إخراج بيت نزار من جميع بحور الشعر!
وقد فعل أمراً مُشابهاً أيضاً مع أبيات الشريف البياضي (ت468ه) حين أخذها واستبدل كلمة «حذراً» التي استخدمها البياضي بكلمة «خوفاً»، مع أن الكلمة الأصلية هي الأنسب والأدق لوصف حالة الطبيب عند تعامله مع المريض، فالطبيب يتعامل مع الحالات الحرجة بالحذر لا بالخوف، ولو تعامل القرني مع نصوص الآخرين بمثل تعامل الطبيب لأراح واستراح.
ومن أغرب ممارسات الشيخ في العبث بإبداع الشعراء ما قام به في مقطوعة تتألف من أربعة أبيات نشرها تحت عنوان «وفاة الرسول» في ديوانه (قصة الطموح)، ويقول في مُستهلها:
أُصبنا بيوم في «الرسول» لو انه
«أصيبت» عروش الدهر «أضحت» تضعضعُ
وأدبنا ما أدب الناس قبلنا
ولكنه لم يبق للصبر موضعُ
قد يظن القارئ - وبعض الظن إثم -أن هذين البيتين من إبداع القرني نظراً لغياب أي إشارة تنبّه إلى غير ذلك، لكن الحقيقة هي أنهما مأخوذان بنصهما من قصيدة للشاعر علي بن جَبَلة الملقب بالعكوك (ت213ه) يرثي بها حميداً الطوسي، وتقول الأبيات الأصلية قبل تحريفها:
أُصبنا بيومٍ في حَميدٍ لو انَّه
أصاب عروش الدهر ظلت تضعضعُ
وأدبنا ما أدَّبَ الناسَ قبلنا
ولكنّه لم يبق للصبرِ موضعُ
ثمة مسألتان تدعوان للاستغراب في هذه الحالة، المسألة الأولى: هي لجوء الشيخ إلى حيلة تُذكرنا بالحيلة القديمة التي استخدمها الشعراء المخادعون في قصائد المدح على وجه الخصوص، تلك الحيلة أطلق عليها الناقد الكبير عبدالفتاح كيليطو اسم «السرقة الذاتية»، وتعني قيام الشاعر بإعادة استخدام القصيدة الواحدة في مدح أكثر من شخص بعد إجراء تحويرات طفيفة قد لا تتجاوز تغيير اسم الممدوح، ويذهب كيليطو إلى أن «السرقة الذاتية» قد تُعزى «لعجزٍ في الإبداع»، وأعتقد أن ما فعله القرني هنا ناتجٌ عن عجزٍ مُضاعف عن الإبداع، فإذا كان الشعراء قد استخدموا هذه الحيلة في قصائد من إبداعهم الشخصي فهو هنا يستخدمها في أبيات ليست من إبداعه، مع أن المفترض والمتوقع أن تنبع الأبيات التي تُنظم في التعبير عن الحزن لفقد خير البشر من عاطفة صادقة وتُعبر عن حرارة وخصوصية مشاعر ناظمها!
أمّا المسألة الثانية التي تُثير الاستغراب، وتؤكد على ما ذكرناه من وجود فقر شعري يعاني منه الشيخ عائض في بعض الأحيان، فتتعلق بأبيات ابن جبلة نفسها، فلم يتحرّج الشيخ أبداً من استعمالها في رثائية ثانية نشرها في نفس الديوان تحت عنوان «فقدنا العثيمين الإمام»، يقول فيها:
أُصبنا بيوم في الفقيد لو انَّهُ
أصيبت عروش الدهر أضحت تضعضعُ
ورزء دهانا قد خشعنا لهولِهِ
ولكنه لم يبق للصبرِ موضعُ
ويُصر القرني على تشويه البيت باستعمال الفعل بصيغة المؤنث: «أصيبت» بدلاً من «أصاب» مع أنّه الأنسب لأنه يعود على «يوم»، ومن الجيد أن نجده قد تراجع عن هذا التشويه في ديوانه اللاحق (القرار الأخير)، الذي قرَّر فيه إعادة المفردة الأنسب «أصاب»، لكنه قام بتحوير عبارة «عروش الدهر» لتصبح: «عروش القوم» ، بما لا يُضيف أي جديد للمعنى!
وأظن أن الشيخ استوحى مفردة «رزء» في البيت الثاني من بيت ابن جبلة الذي يقول:
وكنتُ أراه كالرزايا رزئتُها
ولم أدرِ أنَّ الخلق تبكيه أجمعُ
وقد سلخ هذا البيت أيضاً لتكون صيغته في قصيدة رثاء الشيخ ابن عثيمين:
عنيزة لم تبكِ على العلمِ وحدها
بلى قد بكتهُ الأرضُ والناس أجمعُ
في حالات قليلة يكتفي القرني بوضع الأبيات التي ليست له بين أقواس من دون إشارة للقائل، وهذا أمر جيد إلى حدٍ ما، لكنه لم يفعل ذلك مع أبيات قد تكون أقل شهرة وشيوعاً بين الناس كأبيات الشريف البياضي وعلي بن جبلة، وهذا الأمر يدفعنا للتساؤل: هل ما فعله الشيخ بأبيات هذا الشاعر أمرٌ مشروع؟
وهنا أؤكد على أمر مُهم وهو أن جميع ما ذكرته لا ينفي وجود جوانب مُشرقة في تجربة الشيخ الدكتور عائض القرني استحق بسببها محبة وتقدير الناس، لكن هذه السطور تأتي في سياق واضح ومُحدَّد وهو نقد الأخطاء التي وقع فيها عائض القرني «الشاعر»، وربما يكون تهاونه سبباً واضحاً في حدوثها. لذلك ينبغي للشاعر أن يكون دائماً على وعي تام بالحدود التي يجوز له في إطارها استدعاء نصوص الآخرين والاستفادة منها، مع أن المبدع الحقيقي هو الذي يُعنى بالإبداع والتجديد أكثر من عنايته بالاستدعاء والتقليد.
بدوي الجبل
نزار قباني
Your browser does not support the video tag.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.