أحداث الشغب في فرنسا جزء من مشكلة معقدة لم يستطع الفرنسيون معالجتها مثل ذكاء الإنجليز مع أقلياتهم، والسؤال المتداول عند معظم الفرنسيين، لماذا لم يستطع الجيل الثالث من المهاجرين الاندماج بالمجتمع، وما أسباب القصور في القضية منذ نشأتها، وحتى اليوم؟. بالتأكيد أن أثر الاستعمار والتعامل المؤسف مع تلك الشعوب التي وقعت في قبضة الاحتلال الطويل سبب أساسي في التعامل الفوقي، وعزل تلك الفئات عن المجتمع وتهميشها في أحياء فقيرة، كذلك اعتبار تلك الجنسيات ليست لديها المبادرة بأن تصل إلى كفاءة الفرنسيين، إضافة إلى شعور عام تنامى مع السنين بأن الأجانب جاءوا ليزاحموهم على وظائفهم ويفسدوا طبيعة حضارتهم. ليست فرنسا وحدها من بدأ يتعرف على أن القهر الاجتماعي، هو نافذة لتهديد الأمن، فقد سبق لأمريكا أن تعاملت مع السود، والهنود الحمر بما ضاعف العلاقات الاجتماعية، ولعل مشكلة الرجل الأبيض مع الآخرين واعتبارهم خلاصة المجتمعات المتفوقة أبرزت العنصرية التي جعلت النازية تحتقر حتى الأوروبيين من نفس البشرة والأصول شبه الواحدة، ولدينا صور أخرى بين اليهود الشرقيين والغربيين، وكيف أن المرتزقة الذين جلبتهم القوات الأمريكية في العراق يعاملون كجنس حقير لم يتعلم إلا القتل، والأمر ينسحب على واقع فيضانات أمريكا حين كان السود والفقراء هم ضحية الخلل في التوازن الاجتماعي، والمعاملات غير المتساوية. نقطة أخرى، كيف أن الرئيس الباكستاني برويز مشرف كشف حقيقة عدم الوفاء مع محنة بلده في الزلزال الأخير، وأن الغربيين لم يفوا بالتزاماتهم لأن الأرض والإنسان لم يصلا إلى درجة الاهتمام، والمفارقة هنا أن مشرّعي حقوق الإنسان والداعين للديموقراطية، والعدالة الاجتماعية، يفهمون أنها لا تنطبق إلا على أرومة خاصة من المجتمعات. فرنسا دولة قانون ولها مواقف مميزة برفض الاعتداء، وتعميم الحروب، أو قهر الشعوب، لكنها لا تمارس في داخلها هذه المعاني، وهنا سقط من حسابها أن الجاليات الكبيرة فيها ليست بدون أسلحة حين يتم الاصطدام بقتل اثنين منها، لتنفجر المدن وتعم الحرائق العاصمة وغيرها، والدرس هنا ليس فقط أخلاقياً، وإنما قانوني، أي أن تمييز عنصر على آخر من خلال واقع لا يعترف به المجتمع، فجّر المشكلة، لأن وسيلة الاحتجاج هذه المرة جاءت كرد فعل حاد غير متوقع. يبقى إصلاح الخلل شأن فرنسي داخلي، لكنّ اعتبارها حالة طارئة سيتجاوزها الزمن ربما يضاعف المشكلات في المستقبل البعيد، ومع ذلك فمن المنطقي أن تكون تلك الجاليات مواطنين متساوين في الواجب والحقوق، وعندها قد تزول مشكلة صنعها تراكم الأخطاء، وأفرزت تلك الأحداث.