لا يمكن أن تصدق وصول حجم التضحيات إنسانياً عند أمريكا إلى الحد الذي تتكبد فيه خسائر مالية وبشرية جسيمة من أجل نشر عدالة الديموقراطية، أولاً لأنها غير مطالبة بذلك، وإذا حدث وكان هناك خلل يستوجب التدخل فإن تحريك الأممالمتحدة بوسائل عديدة غير الحرب هو الأمر المقبول، بل وحتى إذا كانت الحرب ضرورة، فمن المفروض ألا تسيطر عليها قوة معينة تجني مكاسبها إذا توافرت. وثانياً أن هناك أوليات في العالم وبالتأكيد أن العالم العربي ليس أكثرها بؤساً، وربما لو تمت المعالجة فيه بوسائل سلمية لكان أجدى، أما إذا كان الدافع هو الوازع الإنساني فإن هناك مواقع في إفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا أكثر احتياجاً، هذا من ناحية.. أما الناحية الأخرى فإن الديموقراطية ليست سلوكاً ملزماً محدد المعايير، مثل الغذاء والملابس ومحاربة التدخين ونظافة الشوارع، ولكنها ثقافة وقناعات اجتماعية في الدرجة الأولى، ومعظم العالم العربي غير مؤهل لذلك، بل وفي أمريكا ذاتها.. متى تم التصدي للتمييز العنصري المكشوف، وكم من رواد التصدي من دفع حياته، وحق المرأة في الانتخاب متى حدث أمريكياً وأوروبياً..؟ إذن فالتحرك نحو الشرق الأوسط حدث بفعل إغراء مصالح اقتصادية.. ماذا لو أن صدام حسين غزا قطر أو البحرين بحجة أن أياً منهما يملك أسلحة دمار شامل، ثم عندما لم يجد جيشه أي أسلحة دمار شامل ليبرزها مبرراً أمام كل الآخرين، أما كانت ستطبق عليه عقوبات دولية.. فالعراق بداهة لم يكن يملك أسلحة دمار شامل أو حتى محدود.. سنأتي إلى مربط الفرس.. إلى الأمر الأكثر بشاعة من الاحتلال الأمريكي، والاندفاع المحموم نحو قدرات المنطقة، وهو أن المنطقة ذاتها لم تبرهن عن كفاءتها في أهلية حيازتها لثرواتها.. ربما لم يكن تعبير الديموقراطية والإصلاح يعني في مضمونه الحقيقي ازدهار سلطة المؤسسات المدنية، وحفظ الحقوق وصيانة الثروات من التبديد ومن الحيازات الخاصة.. هنا تكون المنطقة قد سعت بقصورها الحضاري والثقافي والعلمي والإداري لأن تكون تحت وصاية تحمي ثروات تهم آخرين غيرها.. أليس من المخجل عندما تمت عملية اغتيال الرئيس اللبناني رفيق الحريري ألا يكون لدى النظام المعني بالأمر.. النظام اللبناني قدرة مواجهة المعضلة والمضي في إجراءات تحقيق تصل بها السلطة إلى المتهمين ويكون ذلك جزءاً طبيعياً من مسؤولياتها.. لقد تدخلت الأممالمتحدة وكلف ميليس بالتحقيق لتعذر وصول السلطات المعنية إلى نتائج إيجابية، فالحريري ليس أول ولا عاشر مقتول لبناني.. ومثله العراق.. ما يقارب الخمسين عاماً ونحن نسمع ونقرأ عن فضائل سباقات حزبية نحو السلطة.. عن تنظيم مراجع دينية سنّية وأخرى شيعية، لكن كل ذلك لم يستطع أن يخلص العراق من قتلة تعاقبوا على سلطته، لكن ومع كل بشاعة مجازر صدام.. كثيرون يتساءلون أما كان على الأقل يحكم عراقاً موحداً..؟