اكدنا في بداية قراءة الامس في تقرير ديتليف ميليس اننا لن نكون قضاة نصدر احكاماً او محامين ندفع تهماً.. هدفنا ان نعرف الحقيقة.. والحقيقة وحدها دون زيادة او نقصان. ونحن متأكدون ان من قتل رفيق الحريري لم يكن يقصد الشخص بحد ذاته بل كان يستهدف لبنان كدولة مستقلة لها كيان سياسي واقتصادي واجتماعي، واصبح بعد خروجه من الحرب الاهلية افضل مما كان عليه قبلها عائدا الى مكانه الطبيعي في الصف العربي كاسباً ثقة المجتمع الدولي في القدرة على النمو والاستمرار والاتجاه الى مستقبل مفض بالامل والرضا. نحن نعرف ان القضية كبيرة وكبيرة جداً واحدى الدلائل على ضخامة حجمها الارقام التي خرج بها تقرير ميليس وتمثلت في التالي: من 16 يونيو الى 6 اكتوبر 2005م تم اصدار إفادات 244 شاهداً وملاحظات 293 محققاً، وافادات 22 مشتبهاً، وقد جمع 453 قطعة من مسرح الجريمة، واعداد ما مجموعه 16711 صفحة من الوثائق، وشارك 30 محققاً من 17 بلداً في التحقيقات. هذه الارقام توضح حجم القضية واهميتها ليس على الصعيد اللبناني الداخلي وحسب ولكن على الصعيد الدولي والذي شكل ممثلاً في الاممالمتحدة لجنة تحقيق في اغتيال الحريري تلبية لطلب من الحكومة اللبنانية ثم تنفيذه عبر القرار 1595 وحتى نكون منصفين فلابد من الاعتراف ان تقرير القاضي ميليس احتوى جهدا لا يمكن اغفاله او التقليل من شأنه، بل انه حوى معلومات كانت بمثابة الصدمة للكثير من المتابعين والمهتمين بالشأن اللبناني كونها كشفت معلومات - اذا كانت صحيحة - فإنها تعتبر كارثية بحق كل من اعتبروا متورطين او مشتبه بهم، وكارثية ايضاً اذا لم تكن مستندة الا على اقوال شهود قد تكون لهم اهداف غير الاهداف التي من اجلها تم تشكيل اللجنة الدولية، والاهداف قد تأتي ضمن اطار تصفية الحسابات والانتقام. وحتى لو كان دور القاضي ميليس كشف الحقيقة دون توجيه اتهامات، واعتبار كل من وردت اسماؤهم في التقرير الذي سيتم رفعه اليوم الى مجلس الامن وبحضور ميليس شخصياً هم اشخاص مشتبه بهم وبراءتهم محتملة، فكيف لنا ان نوجه شبهاً لمسؤولين في قضية دخلت التاريخ من اوسع ابوابه وتداعياتها لن تكون سهلة ابداً بل ستكون خطيرة جداً وابسط ما تمثله تلك التداعيات سيكون في فرض عقوبات اقتصادية على سوريا كون تقرير ميليس يوجه شبهاته واتهاماته الى مسؤولين فيها ضالعين بشكل مباشر في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. وعودة الى (الشهود المجهولين) الذي يعتمد عليهم دمتيليف ميليس كثيراً في جمع الحقائق نجد - حسب التقرير - ان الكثير منهم كان يعمل مع السوريين في لبنان بل ان بعضهم كان قريباً من موقع صنع القرار السوري المتعلق بالتخطيط والتنفيذ للاغتيال بشكل فاضح وغير مستقيم المفهوم (عملاء مزدوجين) ومثال ذلك ما ورد في الفقرة (102) من تقرير ميليس: (وقبل 15 دقيقة من الاغتيال، كان الشاهد في مكان قريب من منطقة سان جورج، وتلقى اتصالاً هاتفياً من ضابط سوري كبير سأله: اين انت فقال له: في مكان كذا.. فأمره بترك الموقع مباشرة) انتهت الفقرة التي اول ما قرأتها اعتقدت حسب ما هو امامي ان هذا الشاهد يجب ان يكون متهماً لاشاهداً كونه كان قريباً من ضابط سوري كبير امره بترك مسرح الجريمة قبل وقوعها ب 15 دقيقة.. وحتى ان كان هذا الشاهد لا يعلم ماذا كان سيحصل فمن المفترض ومن خلال العلاقة القوية التي تبدو انها مرتبطة بالضابط السوري الكبير ان يسأله لماذا يجب عليه ان يترك المكان قرب السان جورج!. اسئلة كثيرة تدور في ذهن رجل الشارع العادي حول ثغرات تعتقد انها موجودة في التقرير، ومع ذلك فإنني احترم القاضي الالماني دمتيليف ميليس عند اعترافه ان قضية بهذا الحجم تستوجب التحقيق فيها لمدة اطول لكشف ملابساتها وفك رموزها وحل الغازها خاصة ان ميليس لم يستلم ملف القضية الا بعد مرور وقت على وقوعها مما حداه ان يصرح ان مسرح الجريمة لم يعد كما كان وقت وقوعها بل ان العديد من الاشياء التي كان من الممكن ان تفيد التحقيق ازيلت من الموقع بقصد او عن غير قصد. ومن وجهة نظر أخرى نرى ان القاضي ميليس عندما افصح عن تقريره وهو الذي كان يعتقد انه لن يسرب لوسائل الاعلام، حسب قوله، انما عمد الى ذلك التسريب كنوع من (الطعم) لخلخلة دفاعات مشتبه بهم ودفعهم الى تحرك مما قد يكشف من معلومات أو أشخاص يفيدون مسار التحقيق وبالتالي الوصول إلى حقيقة لا يمكن انكارها أو التنصل منها تؤدي إلى معرفة المخطط والمنفذ لجريمة اغتيال رفيق الحريري. وكما قلنا في مقدمة هذه القراءة فإننا لا نعتزم ان نكون قضاة أو محامين بل نعمل في اطار أصول المهنة الصحافية للكشف عن الحقيقة، فرفيق الحريري ليس بالشخص العادي الذي يمكن من ان نتساهل في معرفة قاتله، ولبنان ليس بالبلد العادي الذي يمكن ان نتوقف عن مساندته والوقوف إلى جانبه كما فعلنا وسنفعل، نريد بالفعل ان نعرف هل تم اغتيال رفيق الحريري لأنه احب بلده وأعطاها الكثير وبناها من تحت الركام.. هل هذه اسباب يستحق عليها رفيق الحريري الاغتيال، أم ان تقاطع المصالح أدى إلى تصفيته فكان ضحية لمطامع لا تخدم أحدا سوى أصحابها ومن يقف خلفهم ستؤدي دون أدنى شك إلى زلزال سياسي بدأت ارهاصاته في الظهور على السطح ونتمنى ان لا تمتد أكثر من ذلك فالنتائج لن تسر إلا العدو بكل تأكيد. والمفترض ان لا نصدر أحكاماً مسبقة على هذا أو ذاك فالتحقيق وحسب تصريحات ميليس لم ينته بعد واصدار الأحكام سيكون أمراً غيرمبرر فلننتظر نهاية التحقيق وصدور الأدلة المقنعة والتي لا تخضع لأهواء سياسية وأهداف مسبقة حتى يتمتع التقرير في نهاية صدوره إلى صدقية غير قابلة للشك أو التأويل.