الضيف السارح .. الطنب السابح (خوىّ) الجنب الضيف السارح .. الطنب السابح (خوىّ) الجنب لعل من تسنح له فرصة ان يعيش ولو بعضا من الحياة في فيافي تلك الخدور.. وتحت بيوت الشعر التي تعمر البيداء وتؤنس وحشة الفلاء والصحراء.. بين ظهراني اولئك العمار البشر من ابناء البادية الرجال الاشاوس المغاوير.. ليستطيع ان يطبق ما تكتبه عنهم الأقلام ويسجله لهم التاريخ من الكرم والجود والشجاعة والاقدام.. والعفة والشيمة التي اتصفوا بها. فحياة البدو في اوطانهم كلها جهاد وعناء مستمرين.. فهم لا يعرفون للراحة سبيلا او ملاذا.. وهذا بالطبع بخلاف المتحضرين في الامصار والمدن فالحرث والسنى والحصد حرفة كبارهم.. والحطب والري وظيفة نسائهم والرعى والعسف خدمة صغارهم وهذا هو دأب الحياة التي تطبعوا عليها وارادوها لانفسهم والشيء الذي لا محل للشك فيه هو ان هذه السنة عند ابناء البادية الذين انا واحد منهم ليس الا عادات وتقاليد اكتسبوها عن الرعيل الراحل من أسلافهم الغابرين.. فكانت لهم تركة قيمة ثمينة سمت بهم الى اوج معاني العزة والمنعة والكرامة التي تحدثت بها الاقلام وسجلها التاريخ. ولكن هل كل ما كتب وقرىء عنهم استطاع ان يصور وبدقة المعاني الحميدة التي تحملها نفوسهم؟؟. كلا فالاحاسيس العميقة والشعور الفياض الذي يختلج ويتغلغل في ضمير كل فرد منهم نحو الضيف والجار ورفيق الجنب وحومة الوغى ابعد بكثير من ان يبلغها فكر مفكر، أو يرسمها قلم كاتب، وان تحصر في كتاب. ولذلك فانني اود ان قول للقارىء الكريم في هذه العجالة ان القلم الذي تحمله أنامل ليس بأوسع معرفة من الاقلام التي سبقته الى هذه الناحية لتصوير تلك المزايا الحميدة التي اضطلع بها اولئك الناس من الخلق ولكن عساني اوفق لرسم جانب من نموذج حي قلت انه صعب التصوير. والآن لننظر ونعيد النظرة في واقع ملموس حتى وممن دارت عليهم عجلة الزمن من ابناء البادية.. فنزحوا من مساقط رؤوسهم تاركين وراءهم مراعي الابل وحظائر المواشي ليجدوا انفسهم في اواسط المدن وبين اخوانهم من الحضر مشاركتهم حياة التقدم والتبلور والحضارة.. اننا نجدهم ورغم معاشرتهم لهم لم يتأثروا بعاداتهم ولا تقاليدهم فهم متشبثون بسنتهم الاولى.. اللهم الا اذا كان هناك تعديل طفيف في الملبس والسكن ولكن الوتيرة التي وجدوا عليها آباءهم من اكرام الضيف.. واباء الضيم واحترام الجار هم السائرون عليها. وهكذا تأتي الثلاث البيض عند البادية كما سموها بهذا الاسم الشامل وهي : الضيف السارح: ويراد به الحفاوة والاجلال بكل من يقصد دارهم مستضيفا او مستجيرا وقد جعلوها مدة ثلاثة أيام يجلس فيها الضيف في أعز مكان وعلى احسن فرش مكرما معززا.. زاده الخرفان وشرابه الخضيض المحض. وكيفه البن (الشاذلية) لا يبرح الا بعدها وباذن ضائفه وهذا طبعا بالنسبة للضيف اما المستجير فله ذلك علاوة على حمايته من اعاديه. الطنب السابح: والطنب هنا هو الحبل الذي تشد به الخيام وبيوت الشعر عند نصبها، والمقصود من ذلك جيرة الدار الذين يحيطون بها. وقد اثبت البدو على انفسهم احترام الجار ومشاركته افراحه واحزانه. ومن ثم صون عاره وحفظ ماله ومراعاة ذمامه. خوى الجنب: وهو رفيق الطرقة اي (صاحب الرجل في سبيله وطريقه) وهذا ليس بأقل أهمية من الخصلة الاولى عند البادية اذ ان البدوي يود ان يفادى بماله وعياله وبروحه ان تطلب الامر ذلك، ولا ان يمس رفيق طرقته بأذى او ان يضام فتكون وصمة العار الشنيعة في جبينه. وخلاصة القول ان ابناء البادية يعتبرون هذه الخصال الثلاث التي هي من الكماليات الواجب تسميتها ضروريات في عزة الرجل وكرامته ورفعته.. يعتبرون من تحلى بها وتكاملت لديه اعز قومه وانبلهم وهذا هو الواقع حيث انها خصال حوت الشجاعة. الكرم. العفة. وللبادية في هذه الظواهر التي ذكرناها اعلام ونوابغ تصدروا التاريخ وضربت بهم الامثال.. ففي الكرم حاتم الطائي الذي اشعل النار على قمم الجبال في اعلان يوحى به لكل مسافر خمصان بأن يستضيفه حتى اذا ما اتى على ما تملكه يمينه من ابل ومواشي اكراما لمستضيفيه، تأبى عليه اريحيته وهو خلو اليمين صفر الشمال الا ان يجزر لضيفه آخر ما تملكه يده (مهرته) التي لم يكن لديه اغلى منها في الحياة. اما العفة.. فرائدهم فيها مجنون ليلى الذي اغتاله الحب ولم يجرؤ ان ينال من محبوبته منالا رغم اختلائه بها وفي غسق الظلام وديجور الليل. وكذلك تأتي الشجاعة بأعلام كثيرين.. منهم قبل الاسلام عنترة بن شداد، وهانىء بن مسعود الشيباني، ودريد بن الصمه، وبعد الاسلام خالد بن الوليد وعلي بن ابي طالب وطارق بن زياد وعمر بن الخطاب.. وهنا وقبل اربعين عاما تقريبا سلطان بن بجاد. وفيصل الدويش وخالد بن لؤي. بقلم : الشريف عبدالله الحارثي الاربعاء 11/4/1384ه العدد 1686