الجلادون يظنون أنهم دائماً ينتصرون على ضحاياهم. وأقوى سلاح يلجأ إليه هؤلاء الجلادون هو السجن.. يلقون بمن خالفهم في غياهيبه، وهم يظنون أنهم آمنون دائمون عزيزون. لكن التاريخ القديم يروي لنا خلاف ذلك. والتاريخ الحديث يروي لنا أكثر من ذلك. وربما لم يسجل التاريخ سجاناً مثل العقيد الهالك معمر القذافي وربما سبقه أو جاراه صدام حسين الهالك الآخر. شخصيا أعرف زملاء كانوا معنا على مقاعد الدراسة في الولاياتالمتحدة، ثم عادوا إلى ليبيا ليدخلوا السجون مباشرة، وليقضوا فيها أكثر من 20 عاماً في أوضاع مأساوية قاسية حرمته كل معاني الإنسانية، وعرضّته لبلاء لا بعده بلاء. وهلك القذافي، وانجلت الغمة عن الآلاف ممن ظُلموا عن عمد.. مكثوا في السجون سنوات طويلة بلا محاكمة ولا مراجعة. ومن هؤلاء المحامي الليبي جمعة أحمد عتيقة الذي قال: (لم أتوقع أن تُنشر مذكراتي في حياتي)، وقد كتبها داخل السجن وسربها إلى الخارج لتُنشر بعد مماته خارج البلاد التي أحالها العقيد إلى سجن موحش كبير. يقول جمعة في مذكراته: (قُذف بي في زنزانة مظلمة سعتها متران في ثلاثة بداخلها دورة مياه، وفي الصباح حالما تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود بدأت في استطلاع ملامح وأجواء الزنزانة لأفاجأ بصورة قاتمة.. بقايا دماء على الجدران.. خيوط عنكبوت بالية.. مجموعة من الفئران الصغيرة تتسلق الجدران وتلهو بين الأسقف وفتحات الممر المعتم، وكأنها تشهد على ظلم الإنسان وقسوة الطغاة...) [الشرق الأوسط 25 ديسمبر الماضي] طبعاً دخل جمعة السجن باتهام ملفق وشاهدي زور ومسرحية هزلية ومحاكمة داخل النيابة المسخرة للنظام بالكامل. في السجن عاش جمعة مع كتاب الله، ومع رفاق نجباء قاوموا الإحباط وأقاموا الصلاة واتجهوا إلى الله، وظلوا يرددون مع كل غروب: يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلاما ليس بعد الليل إلا فجر صبح يتسامى وكان الفجر، وكانت النهاية السعيدة بعد الحقبة البغيضة. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.