العلاقة الطبيعية هي أن يكتب الكاتب ويقرأه قارئ ما.. وظيفة القارئ كما حددها فولغانغ آيزر وأمبرتو إيكو وغيرهما، ليست فقط قراءة عمل وفق الآليات التي افترضها الكاتب، ولكن الذهاب بعيدًا باتجاه إعادة إنتاج وتركيب العمل الأدبي، وفق آليات القارئ وثقافته. القارئ هو من يعطي امتداداً للنص الأدبي.. لا يوجد كاتب غير معني بالقراءة.. في اللحظة التي يصبح فيها الكتاب مادة مسوقة، ينتهي دور الكاتب الذاتي، لتعوضه ماكنة الدعاية التي تجعل من المؤلَّف مادة استهلاكية يجب أن تصل للقارئ بالغواية المطلوبة، وإلا ستظل حركته عادية.. وهذا ما يجعل كتابًا ما مرئيًا أكثر من غيره، أي يحقق أعلى المبيعات.. أذكر مدة قصيرة قبل صدور الطبعة الفرنسية من شيفرة دافنشي، للكاتب الأمريكي دان براون، كيف احتلت الدعاية محطات الميترو والواجهات الجانبية للحافلات ولوحات مضيئة في أمكنة استراتيجية يرتادها الناس.. لم يكن الروائي الأمريكي وقتها معروفًا بالشكل الذي يجعله مادة ثقافية استهلاكية فرنسيًا.. ويوم صدور الرواية مع معرض باريس، كان من الصعب أن تحصل على نسختك إلا بعد انتظار الساعات الطويلة.. المبيعات عالميًا، في السنة الأولى من صدور الرواية، تجاوزت الخمسين مليونًا.. من المؤكد، أنه كان من وراء ذلك نص مثير دينيًا وثقافيًا، ولكن أكثر من ذلك، ماكنة قوية استغلت كل سبل الدعاية وسخرتها للكتاب الذي تحول في فترة قصيرة إلى ظاهرة أدبية وبيست سيلر. سؤال كبير يطرح نفسه في مثل هذه الحالات: من صنع البيست سيلر، موهبة الكاتب؟ أم المؤسسة الإشهارية التي تقف وراءه؟ لهذا أقول دائمًا علينا أن نتواضع عربيًا.. لا وجود في ثقافتنا النشرية تقليد الدعاية للكتاب.. أغلب المعارض العربية عندما تنتهي، تثير فكرة الكتاب الأكثر مبيعًا في المعرض.. فتسمع هنا وهناك العنوان الأكثر مبيعًا.. وهي لعبة مكشوفة تتم باتفاق ضمني بين الناشر والكاتب.. يتم ذلك في ظل غياب كلي لأية مؤسسة دعائية كما في أوروبا وأمريكا، باستثناء المبادرات الشخصية عن طريق الوسائط الاجتماعية التي يتم تحريكها بذكاء كبير أو أقل. الغريب أن الكثير من العناوين التي تقدمها دور النشر على أساس أنها الأكثر مبيعًا، لا نعرف لا عدد سحبها، ولا كم جيء بنسخة إلى المعرض؟ متوسط السحب العربي بائس ويكاد لا يذكر.. الطبعة الواحدة هي ألف نسخة وكأن ذلك يريح الكاتب والناشر.. الكاتب يسعد عندما يبلغ أن الطبعة الأولى خلصت (القصد السحب الأول) والناشر يسعد عندما يضع على الرواية الطبعة العاشرة.. لا أقلل من قيمة ذلك على مستوى التأثير على المقروئية، لكن السحب مخجل في أمة تجاوز عدد سكانها 300 مليون نسمة. في مرة من المرات شاءت الصدفة أن أعرف كم بعث الناشر الأصلي للجزائر بمناسبة المعرض.. قال لي الناشر وهو يذكر صعوبات النشر: أصبحت أسحب 500 نسخة، أوزع 200 في بيروت بينما 300 أبعثها إلى الجزائر.. في تصريح لصاحب الرواية، ألح أنه حقق أعلى المبيعات في المعرض، إذ وقع 600 نسخة من روايته؟ الكتاب كله لم يسحب منه إلا 500 نسخة فكيف يبيع صاحب الكتاب 600؟ ثم أكثر من هذا، كيف يبيع 600 من مجموع لا يتجاوز 300 نسخة دخلت إلى المعرض؟ مثال يبين إلى أي حد يكون فيه الوهم حتى لا أقول الكذب، هو المتسيد في مسألة الكتاب الأكثر مبيعًا.. وهذه الظاهرة لا نجدها في الغرب ولا أحد يطعن في النتائج لأنها واضحة للعيان. قبل سنوات أنشئ جهاز يشبه المرصد، يتابع ما يباع في المعارض من كتب متنوعة لمعرفة اهتمامات القارئ، بالتنسيق مباشرة مع دور النشر، اعتمادًا على الوثائق، والمتابعات الإعلامية.. واستطاع أن يخرج بنتائج قريبة من الحقيقة وهي ثمرة لجهود مسبقة.. للأسف هذا المرصد بدل أن يتطور ويتوسع إلى المعارض العربية، انتفى نهائيًا من مشهدية المعارض.. وأصبحت كلمة الأكثر مبيعًا ترمى جزافًا، وكل بما لديهم فرحون. كان المرصد سابقًا يحدد الأنواع قبل أن يعلن نتائج الكتاب الأكثر مبيعًا في كل نوع: كتب الطبخ، التاريخ، تفسير الأحلام، الرواية، الدراسة النقدية والفكرية، الشعر، كتب الأطفال والكتب الفاخرة.. هذه التصنيفات ضرورية تسبق أي تقويم.. وكانت النتائج مقبولة.. في انتظار إعادة بعث المرصد العربي للقراءة، يصعب تصديق جملة: الكتاب الأكثر مبيعًا لأنها مبنية على الأنانيات الصغيرة وليس على سبر فعلي للآراء.