في الوقت الذي تتأهب فيه البوسنة والهرسك للاحتفال بعشر سنوات من الاستقلال في الأول من آذار/مارس القادم، تستمر الدولة في صراعها مع تركة من الحرب التي استمرت ثلاثة أعوام عقب إعلان الاستقلال عام 1992 وفاقمت من أزمة اقتصادية طاحنة واعتماد متزايد على المساعدات الدولية، وكان المفترض أن يحدث تحسن بعد أن فاز ائتلاف إصلاحي في العام الماضي على الأحزاب القومية، ولكن ذلك لم يحدث، وبدلا من التحسن الاقتصادي والتخفيف من الوجود الدولي، ينتظر معظم الشباب البوسني تأشيرات الهجرة إلى الدول الغربية، وبالذات إلى الولاياتالمتحدة وكندا وأستراليا. وتقول سيمسا سوتروفيتش 38 عاما من سكان سراييفو «بالكاد يتسنى لي ولزوجي إعالة أسرتي، ولذا تقدمنا بطلب تأشيرة هجرة إلى أستراليا عام 1998، وحتى الآن رفض طلب دخولنا مرتين لكننا مازلنا نحاول». وأضافت أنها تحب بلدها وصوتت لاستقلاله في عام 1992 «لكن ليس هناك أي مستقبل هنا» أمام طفليها. وقالت سيمسا «ليس بوسعنا توفير الضروريات لأطفالنا، فكيف يمكننا أن نتوقع مستقبلا أفضل لهما». ويعكس وضع سوتروفيتش ظاهرة في البلاد بأسرها، ففي بحث أجراه برنامج الأممالمتحدة للتنمية قبل عامين، قال أكثر من 60 في المائة من الشباب البوسني إنهم سيغادرون البلاد إذا أتيحت لهم الفرصة، ويوضح دينيس إماموفيتش 25 عاما من سراييفو أيضا أنه يرغب في الهجرة بسبب عدم تمكنه من الحصول على عمل منذ تخرجه من المدرسة قبل عام. وقال إنه قد تقدم هو وعدد من أصدقائه بطلبات للهجرة، وعندما صوت البوسنيون للاستقلال عن يوغوسلافيا في عام 1992 أيَّد 63 في المائة الاستقلال، وشارك 99 في المائة من الناخبين في الاقتراع، إلا أن معظم مؤيدي الانفصال كانوا من البوسنيين المسلمين والكروات فيما عارضه صرب البوسنة الذين يمثلون ثاني أكبر أقلية سكانية في البوسنة بعد المسلمين. وجاء الانقسام العرقي في الأصوات بمثابة رياح جديدة في أشرعة المتطرفين الصرب الداعين لإقامة صربيا الكبرى، وساهم في اندلاع حرب البوسنة التي استمرت من عام 1992 حتى عام 1995، ولقي أكثر من 200 ألف شخص حتفهم أثناء عمليات إراقة الدماء بينما طرد أكثر من مليون شخص من منازلهم وكان معظم الضحايا من المسلمين، وتم بالكامل تقريبا تدمير اقتصاد الدولة وبنيتها الأساسية، وأوقف اتفاق دايتون للسلام الذي رعته الولاياتالمتحدة أعمال العنف في عام 1995 وقسم الدولة إلى كيانين إداريين منفصلين: الاتحاد المسلم الكرواتي وجمهورية صربسكا التي يديرها صرب البوسنة. واعتبر اتفاق دايتون بمثابة دستور للبوسنة والهرسك منذ عام1995، وأصبح المجتمع الدولي الضامن معارضا لأي محاولة لتغيير الدستور من جانب أي من الطوائف البوسنية، وتعتقد بعض المنظمات الدولية أن مليارات الدولارات التي أنفقت منذ تنفيذ اتفاق السلام لم تفشل فقط في ضمان استمرار العملية السلمية، بل أدت أيضا إلى تفاقم البيروقراطية المترهلة. ويقول النقاد إن جهاز الإدارة ذا التكلفة العالية المفوض بمقتضى اتفاق دايتون قد ساعد على زيادة حدة التضخم وانكماش الاقتصاد. وفي واحد من آخر تقاريرها حول البوسنة، ذكرت مجموعة الأزمات الدولية أن اتفاق دايتون «تحدق به مشاكل عدة منها الافتقار إلى رؤية إستراتيجية مشتركة، والقيادة التي ينقصها التنسيق، والخلافات الشخصية، وتضارب المصالح والإدارة غير الفعالة لعملية الإصلاح الاقتصادي».