الاثنين 3/2/2014: أم كلثوم ذاكرة 39 عاماً على رحيل أم كلثوم، محطة لاسترجاع صوت وإيقاع ومرحلة. انقضت المرحلة وبقي الصوت والإيقاع. لكن مصر تتغذى روحياً من ماضي فنونها، خصوصاً فترة ما بين الحربين العالميتين، في بيئات شرقية وغربية التقت في مصر وتلاقحت وأنتجت ما هو متداخل في الوجدان الحي. يعتبر المصريون أم كلثوم علامة قومية، هي كذلك، لكن العلامة هذه ابنة لقاءات فنية جمعت إيقاعات تركيا وسورية ولبنان مع موسيقى من ايطاليا وألمانيا، من دون أن ننسى اليونان. والقاهرة التي علّمت أم كلثوم وتعهدت خطواتها لم تكن عاصمة لمصر بقدر ما كانت عاصمة فنون البحر المتوسط وملعب عطاءات فنانين دفعتهم وحشية الحرب في بلادهم الى أمان مصر، فساندوا علامات من بينها أم كلثوم. «كوكب الشرق» ذاكرة الماضي الآيل الى غياب، طالما تفتقد مصر الاجتماع المتعدد والإحساس بالتعارف والتسامح. الثلثاء 4/2/2014: اشارة خاشقجي فاجأني العزيز جمال خاشقجي بمقاله «كيف يستطيع الشيخ السديس انقاذ باكستان»، ووجه المفاجأة إشارته الى ظاهرتين مخيفتين في البلد الإسلامي الآسيوي الذي يمتلك قنابل نووية. الظاهرة الأولى هي مساهمة كثيرين من رجال الدين هناك في ترويج إشاعة عن أن اليود الذي يضاف الى ملح الطعام «مؤامرة غربية - هندية تهدف الى قطع نسل المسلمين». وبعد حوالى عقدين من امتناع غالبية الباكستانيين عن تناول اليود، تبين وفق «يونيسيف» ووزارة الصحة الباكستانية معاناة نصف عدد السكان (أي حوالى مئة مليون) من اضطرابات صحية خطرة كالإجهاض وتضخم الغدة الدرقية والتخلف العقلي، تضاف الى ذلك أعراض الخمول وانخفاض معدل الذكاء والإنتاج. والظاهرة الثانية هي «تحريم» لقاح شلل الأطفال وقتل المشاركين في حملات التلقيح، ما يعرّض أطفال ذلك البلد للشلل الذي تم استئصاله من معظم دول العالم إن لم يكن كلها. ولا مجال هنا لمناقشة ظاهرة العمليات الانتحارية التي يشير اليها خاشقجي ويحمّل المجتمع وبعض رجال الدين مسؤوليتها. اقتراح اللجوء الى إمام الحرم المكي لمخاطبة الباكستانيين وإبعادهم باسم الإسلام عن الظاهرتين المخيفتين أو الثلاث، يعني في وجه من الوجوه إنقاذ الإيمان الإسلامي من أيدي خاطفيه في باكستان، وهم في معظمهم يقدمون الدين في صورة عصبية قبلية بشتونية تتميز بالقسوة وتعمد الى تنفير الناس. ونذهب أبعد من ذلك فنقول ان ثلاثة أنظمة في الشرق قامت جوهرياً على الانفصال عن الآخر واستعدائه، هي وفق التسلسل الزمني: باكستان وإسرائيل وإيران. وما يعنينا اليوم ان الإيمان الإسلامي في خطر، فيما يدق مسلمون كثيرون النفير نحو أهداف أخرى ولا يحفظون إيمانهم. الأربعاء 5/2/2014: من شعراء داهش أهداني ياسر بدر الدين كتابه الجديد «مطلق عبدالخالق شاعر الرحيل» (الطبعة الأولى 2013 في بيروت، ولا ذكر لدار النشر أو للمطبعة). ويقول بدر الدين انه تعرف الى اسم عبدالخالق حين اطلع في منزل الدكتور داهش في بيروت على كتاب «ضجعة الموت» لداهش وقد نقله من النثر الى الشعر وقدم له مطلق عبدالخالق ونشر في العام 1935. ولد عبدالخالق في الناصرة عام 1910 وتوفي عام 1937، وصدر ديوانه «الرحيل» بعد وفاته بسنة واحدة ثم أعادت طبعه دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية بالتعاون مع دار المستقبل العربي عام 1982. وفي كتاب بدر الدين تعريف بشعر عبدالخالق ومختارات منه وشهادات فيه كتبها معاصرون. يجنح شعره الى التأمل والزهد مع قليل من الوطنيات، من بينها: «فلسطين الشهيدة لا تراعي ولا تأسي ولا تذري الدموعا عدوك إن أضعت لديه حقاً فعند الله حقك لن يضيعا». ويبدو تأثر مطلق عبدالخالق واضحاً بالروحاني رجل الخوارق سليم العشي الملقب بالدكتور داهش (بيت لحم 1909 - نيويورك 1984)، وبذلك يكون في طليعة أدباء وشعراء اندرجوا في روحانيات داهش ووقفوا معظم أعمالهم عليها، ومن هؤلاء يوسف الحاج (والد المفكر اللبناني كمال الحاج) وحليم دموس الذي نظم بعد عبدالخالق كتاب داهش «ضجعة الموت» وطوني شعشع وإيليا الحجار وغازي البراكس. أمضى داهش معظم حياته في بيروت بعدما وصلها من حيفا، واشتهر لبنانياً بخوارقه والتفاف بعض وجوه المجتمع حوله، ثم بخلافه مع رئيس الجمهورية بشارة الخوري بسبب انضمام شقيقة زوجة الرئيس الى الداهشية. وقد بقي داهش البيروتي معظم سني حرب لبنان ثم انتقل الى نيويورك ليموت فيها. في كتاب هشام شرابي «صور الماضي - سيرة ذاتية» الصادر عن دار نلسن في بيروت 1993، إشارتان الى لقائه داهش: «كان يتردد على بيت جدي في عكا شاب اسمه «داهش بك» اشتهر في الأوساط الاجتماعية بقدرته على التنويم المغناطيسي والتنبؤ بالمستقبل. لذلك سررت عندما سمعت ذات يوم جدتي تنادي بصوت متهدّج: «داهش بك قادم، افتحوا الباب». كان آنذاك في أواخر العشرينات من عمره، أسود الشعر، نحيل القامة. اذكر بخاصة عينيه النافذتين وجو الصمت والانقباض الذي التف حوله. صوّب إليّ نظرة حادة من دون أن يحييني أو يبتسم. قالت جدتي: «هذا هشام ابن فطمة. رح يروح على المدرسة الداخلية في بيروت». مد يده مصافحاً وكانت باردة كالثلج. رأيته بعد ذلك في عكا مرة واحدة بشكل عابر ولم أجتمع به ثانية إلا بعد مرور ما يقارب الأربعين سنة في بيروت (...) في أوائل السبعينات في احدى زياراتي الصيفية الى بيروت قادماً من محل إقامتي في واشنطن، سألت أمي يوم وصولي ونحن نحتسي القهوة عما حل بداهش بك. حتى تلك اللحظة وطوال تلك السنوات لم يخطر اسم داهش بك على بالي لمرة واحدة. نَظَرتْ إليّ باستغراب. قالت انها سمعت انه يقيم في بيروت منذ 1948. في اليوم التالي وبحدود الساعة الثالثة بعد الظهر، كنت مثل معظم سكان بيروت في ذلك الوقت من اليوم، مستلقياً في السرير أطالع الصحف والمجلات وأحاول أن أغفو قليلاً، حين رنّ جرس الباب الخارجي، وسمعت الخادمة تفتح الباب ثم تأتي الى الغرفة المجاورة وتقول لوالدتي: «السيد داهش بك يسأل عن السيد هشام». قلت في نفسي، لا بد من ان والدتي قد أرسلت اليه خبراً تعلمه بأنني موجود في بيروت وأنني سألت عنه، فأتى لزيارتنا. كان جالساً في زاوية معتمة من غرفة الاستقبال الصغيرة. وعلى رغم حرارة الجو، فقد خُيِّلَ إليّ أنني شعرت بلفحة من الهواء البارد تهب في وجهي لدى دخولي الغرفة. وقف مسلِّماً بصمت وشعرت بالانقباض ذاته الذي شعرت به عند لقائنا الأول في عكا منذ سنين طويلة. كان أثقل وزناً، وفي تقاطيع وجهه علامات الكِبر. إلا أن عينيه النافذتين لم تتغيرا. «أتذكرني؟». «بالطبع أتذكرك». وعندما جاءت والدتي، تحدثنا قليلاً، ثم غادر على أن نلتقي ثانية. سألتُ أمي كيف تمكنت من الاتصال بداهش بك. «أنا لم أتصل به». «إذاً ما الذي جعله يزورنا؟». «لست أدري». اجتمعت في تلك الصيفية بداهش بك مرتين. أو ثلاث مرات. وكان اجتماعنا في المرة الأخيرة قبل وفاته بمدة قصيرة، في أحد مقاهي الروشة في إحدى فترات الهدوء الأولى بعد انفجار الحرب الأهلية. جلسنا في مقهى «دبيبو» وكان خالياً من الروّاد. طلبنا فنجاني قهوة. لكنه لم يمسّ فنجانه. سألته إذا كان يذكر كتابه «ضجعةُ الموت أو بين أحضان الأبدية». ابتسم وسألني كيف اطّلعت على الكتاب، فأخبرته. قال بصوت خافت: «حماقات شباب». «لكنه كتاب فذ. كان له تأثير غريب فيّ». وبعد صمت قصير قال: «الناس بتحب الروحانيات». ثم ابتسم ابتسامة فاترة وقال «لا تظلمني. ولا تظلم الناس. أنا لم أكذب على أحد. الناس تريد الهرب الى الماضي، الى المستقبل، الى العالم الآخر. الناس تريد الاتصال بالأرواح للخروج من كابوس الحياة. الصوت الذي يسمعونه من عالم الموتى هو صوتهم، صوت الموت الصادر من أعماقهم». الخميس 6/2/2014: الرد على التفجيري العالم الافتراضي مفتوح لأهل الفتوى الذين هم ليسوا أهلها، عالم يشبه غرفهم المغلقة يوم كانوا يعتزلون الناس نتيجة نقيصة أو بغضاء لا من زهد أو تأمل. لقد انطوى عهد الخطباء المفوّهين أمام جمهور ذي عقل جمعي، حتى إذا قال قائل أهجموا هجموا بلا تعقل. الآن عهد المواقع والرسائل الإلكترونية والهمس النمّام وبث البغضاء من مجهول الى مجهولين، من معزول الى معزولين. لا يخاطبك، لا ينتظر سماع صوتك، سؤالك أو جوابك. انه يلبي شيطان عزلته ويتفجر. تُقتلان معاً من دون أن تتعارفا. والرد على التفجيري: الطبيعة. بزوغ الشمس بعد المطر. الرؤية الحسنة لجمال متاح للجميع، والمزارعون في الطبيعة من أيديهم الخضراء ينمو نبات وشجر. والعاملون في حقول الإنتاج الإنساني، أهل الفنون وأهل الحلم. المؤمنون الفاتحون قلوبهم على محبة الدنيا، بما فيها ومن فيها.