لعل أكثر ما يعطي المُذنّبات أهمية بين أنواع الأجرام الكونية «المتشرّدة»، يتمثّل في أن تركيبة المُذنّبات تحتوي مواد عضوية، إذ يشكّل الكربون والأوكسجين والهيدروجين والنيتروجين ذرّاتها الأساسيّة، مع ملاحظة أن هذه المواد عينها تتركّب منها النباتات والحيوانات والأنواع الحيّة. نقاش في ال «بانسبيرميا» لطالما ساد اعتقاد في أوساط كثير من العلماء والفلكيّين، بأن بذور بعض أشكال الحياة على الأرض ساهمت في تكوينها جزيئات عضوية كانت متضمّنة في جليد المُذنّبات وغبارها. هل أن هذه الرماح المضيئة تحمل في طيّاتها بذوراً محتملة للحياة تودعها رحم البيئة الأرضية، كما يدّعي بعض المهتمين ببيولوجيا الفضاء؟ الأرجح أن عملية نقل مواد عضويّة إلى الأرض عبر المُذنّبات تنضمّن كثيراً من الاستعراض والدهشة. وهناك من يبني عليها نظرية لا تخلو من بعض الغرابة تحمل اسم «بانسبيرميا» Panspermia. ويفترض القائلون بال «بانسبيرميا» أن الحياة على الأرض لم تنهض تلقائياً انطلاقاً من «طبخة» أوليّة، بل ساهمت فيها (أو ربما استهلتها) عملية زرع موادٍ فلكيّة أتت من خارج الأرض، فكأنما للقول بأنه ثمة بذوراً للحياة على كوكبنا هطلت من الفضاء الخارجي. وتذهب هذه النظرية إلى حدّ الاعتقاد أن التعديل الجيني على الأرض هو عملية تستمر بأثر من تدخل عضوي دائم لبكتيريا تأتي من الفضاء الخارجي. وكان كثير من العلماء يستبعدون هذه الفكرة المشتطّة. لكن المشهد تطور في اتجاهٍ آخر في السنوات الأخيرة، إذ برهن باحثون من وكالة «ناسا» الأميركية للفضاء، أن الشُهُب والنيازك بأنواعها، لا تسخن بكاملها إلى الدرجة العالية التي كان العلماء يفترضونها من قبل. وتجمّعت معطيات حديثة جاءت من تجارب أجراها باحثون وفلكيّون من «ناسا» بواسطة أجهزة محمولة على طائرات خاصة تمكنت من التقاط بقايا شُهُب محترقة وصلت إلى الطبقة المنخفضة للغلاف الهوائي، وهي ال «تروبوسفير». وأثبتت فحوص مختبريّة أن المواد العضوية التي تُشكّل أنوية المُذنّبات تستطيع فعليّاً البقاء سليمة خلال عبورها الشرس بوصفها شهباً حارقة، من الفضاء الخارجي إلى الغلاف الجوي للأرض. بذا، انفتح مجال للتفكير بإمكان أن يصل نسيج حيّ إلى الأرض مُغلّفاً داخل صخرة فضائية، أو كامناً في حبوب غبار من مُذنّب. وفي هذا الإطار، أكّد بيتر جينيس كينز، وهو فلكيّ أميركي يعمل في «مركز آيمز للبحوث» أنّ التركيبات الكيميائية المميّزِة للجينات في الكائنات الحيّة، نجد مثيلاً لها في غبار المُذنّبات، ما يدفع إلى التفكير في إمكان أنها تمكّنت من العبور حيّة عبر الغلاف الجوي الأوّلي للأرض الذي كان سائداً قبل مئات ملايين السنين. وكذلك يعتقد كثيرون أن وصول المياه إلى كوكب الأرض ليس له إلاّ تفسير فلكيّ وحيد حتى الآن: هطول آلاف بليارات المُذنّبات لمدة ملايين السنين على كوكب الأرض بعد تكوينه. وهناك جماعات في الغرب الأميركي تنظر بعين الرهبة إلى المُذنّبات العابرة في سماء الأرض، وجماعات أخرى تقدّس المُذنّبات وترى فيها رسالة غيبية لبني البشر. وأعطت دراسات حول مدى جدّية حمل الشُهِب والمُذنّبات مواد عضوية ربما أرست بذور الحياة، صدقية إضافية لهذه المعتقدات الغرائبية حول دور هذه الأجسام الكونيّة الزائرة. هل بدأت بعض أشكال الحياة على كوكبنا بهذه الطريقة؟ سؤال يحتاج إلى نقاش منفصل.