«سورية وبوابات الحديد» هذا ليس عنواناً سياسياً، كما يمكن أن يفهم، وليس شعاراً جماهيرياً مثلما تعودنا أن نردد، هو ببساطة عنوان لمظهر يخفي كثيراً من علامات التردي والانهيار في المجتمع، إن على مستوى السلوك أو الوعي أو الوجدان الجماعي والاضطرابات النفسية الجماعية، وهذا مؤشر الى حالة التفكك والإحباط وانعدام المبادرة أو القدرة على الأداء والإنتاج عند شعبنا. بدأت الحكاية منذ ما يزيد عن سبعة شهور، في لحظة مرصودة ساهم في تحققها ما يدور في المنطقة العربية من تحركات وانتفاضات الشعوب ضد الأنظمة الحاكمة. في تلك اللحظة انتفض شعب سورية عندما بدأ وعيه بوجوده يفيق بعد عقود من التغييب القسري، كان يرتع في مستنقع من الفساد تغطيه سماء مظلمة، وليس أمامه من أفق، مشلول الإرادة، مغيباً بالكامل عن دوره في صنع القرارات التي يتطلبها كيان أي مجتمع بشري يعيش ضمن إطار ما يسمى بالدولة، على اختلاف أنماطها، بعد أن امحت الحدود بين الدولة والنظام، بل وبين النظام وقلة حاكمة. لست في صدد تحليل الراهن السياسي، لكنني ألفت النظر إلى ما يدور تحت السطح، في العمق، حيث أسس أي بنيان اجتماعي، خصوصاً بعدما استشرى العنف والعنف المضاد، وشحنت النفوس بأسباب العصبية العمياء يؤججها الغول المتربص الذي برعت جهات كثيرة في صنعه، ابتداء من الخطاب الذي تبنته المنابر الإعلامية المحلية والرسمية، وليس انتهاء ببعض المنابر الإعلامية الأخرى. أوشكنا على الدخول في الشهر التاسع، لم ترتو الأرض بعد من الدماء التي تسفك على ترابها. شعب انتفض لكرامته بعد أن بدأ يعي وجوده، خرج للتظاهر من أجل مطالبه التي لم ينكرها النظام، فلاقى البنادق موجهة إليه، لم يتراجع لأنه صاحب حق، ولكن، في غمرة الحماسة من أجل الكرامة وحرية الإرادة، كثرت الأكف اللابسة القفازات السوداء، وتغلغلت بين صفوفه، مشفوعة بحقن سموم الطائفية والخوف من الآخر، والأمل في إقصائه. انعدمت إمكانية الحوار منذ البداية، بل أجهضت في أسبوعها الأول، ليبقى الشعب متورطاً في الساحة في لعبة الدم من دون غطاء سياسي يتبناه. معارضة لم تعرف حتى اليوم أن تجد مائدة مستديرة تتسع لها، كل فئة منها تريد أن تستأثر بالشعب، ومن ليس في صفها، وإن كان معارضاً، فهو عميل أو خائن أو مرتبط بأجندات خارجية، معارضة تبقي باب الحوار مع النظام موارباً ولو قليلاً، ونظام لا يريد أن يرفع السلاح عن طاولة الحوار، وأخرى تلتئم في الخارج مدعومة بأطراف خارجية، تتهم النظام الذي تريد أن تسقطه ولو على دبابة غربية، بأنه باع الجولان، ولا تقدم أوراق اعتمادها وملاءتها وعلى ماذا تساوم في ما بقي من الوطن، معارضة لا ترضى بحوار مع النظام بالمطلق، وترضى بالجلوس مقابل من يمثل هذا النظام على شاشة فضائية في برنامج يفترض أن يكون منبراً للحوار، فيتحول إلى ساحة للسوقية بكل أشكالها، معارضة ونظام يستبيحان الشعب ويتراشقان بالألفاظ البذيئة، يتباريان في رفع الصوت وكتم أنفاس بعضهما بعضاً، حتى ليضطر مقدم البرنامج لأن يقول: «فضحتونا». والنتيجة، بعد ثمانية أشهر ونيف، كل بوابات الأبنية، ومداخل البيوت، صارت ممنعة بالحديد، الحديد الأصم المغلق بقفل لا يفتحه إلاّ المتخفي خلفه، محصناً ضد الآخر الذي صار يعيش حالة ذعر منه، الآخر الذي هو جاره وربما بينهما علاقة نسب أو مصاهرة، لكنه اليوم صار القاتل المفترض. قليلة هي المنازل التي لم يسورها أصحابها بالحديد، فأي مستقبل ينتظرنا بعد كل هذا الدم المسفوك؟ أي حياة فاقدة للأمن والأمان سوف يعيشها أبناؤنا في زمن أراد فيه الشعب أن يصنع حياته فكثرت السكاكين المتربصة بعنقه، بل كثرت كل أدوات القتل، صارت هي السلعة الوحيدة المتوافرة من دون عناء في أيدي الناس، كل مواطن في سورية يبحث عن سلاح، إما ليدافع عن نفسه أو لينتقم من الآخر الذي يهدده في كل حين. من سيعيد الحب المغادر قلوب الناس تحت القصف، تاركاً هذه المساحات المحروقة التي لا ينمو فيها زرع؟ أرجو ألاّ تصل بوابات الحديد إلى القلوب، وتوصد على رماد الحرائق، لئلا ندخل في المرحلة الأخطر. * كاتبة سورية