أجاويد 4 تستعد للانطلاق في عسير بمعسكر تأهيلي ولقاء مع أمير المنطقة ورئيس هيئة تطويرها    الجدعان: الأسواق الناشئة تقود النمو العالمي والمملكة تدعم الاستقرار    سوكبا تمهل المكاتب المهنية 20 يوما لمعالجة ملاحظات الفحص الدوري    استشهاد فلسطينية وإصابة آخرين بنيران جيش الاحتلال في قطاع غزة    مسار سريع وختم خاص لمعرض الدفاع العالمي 2026م    "سبيس إكس" الأمريكية تُطلق 25 قمرًا صناعيًا إلى الفضاء    56 بطلا على حلبات الرياض في ختام بطولة حزام المملكة للملاكمة    مصر توقع "أكبر صفقة" في تاريخ قطاع الاتصالات بقيمة 3.5 مليار دولار    إصدار التقرير الأول لسجل السرطان الخليجي للفترة 2020-2013م    موجة ضباب على المنطقة الشرقية    ضبط 20237 مخالفًا    أمانة نجران تغلق مخبزاً مخالفاً    «التوعية بالظواهر الجوية» يزيد ثقافة الوقاية    «بيئة حائل» تكثف جولاتها الرقابية على الأسواق والمسالخ استعداداً لرمضان    منتدى الإعلام.. يواكب عالمًا يتشكّل    5000 منشط دعوي في مكة    إمام المسجد النبوي: الدعاء لُبُّ العبادة وجوهرها    «دار رعاية نفسية» في جدة.. حاجة مجتمعية    تقارير.. كونسيساو غاضب من ادارة الاتحاد    بحث "قيم راسخة لحياة أفضل" على طاولة ملتقى القيم الإسلامية.. غداً    الخلود يهزم الشباب.. التعاون والقادسية يعادلان الخليج والفتح    الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن جرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»    منافسات قوية في اليوم الرابع لبطولة آسيا للدراجات 2026 بالقصيم    تحت رعاية الأمير عبدالعزيز بن سعود.. نائب وزير الداخلية المكلف يشهد حفل تخريج الدفعة ال (7) من الدورة التأهيلية للفرد الأساسي (نساء) بكلية الملك فهد الأمنية    وفد الكشافة يطمئن على القوقاني    رابطةُ العالم الإسلامي تُدين التفجيرَ الإرهابيَّ الذي استهدفَ مسجدًا في إسلام آباد    بسبب«الهواتف» انتحار 3 شقيقات    «آبل» تحذر من هجوم عبر رسائل مزيفة باسمها    ضبط 1455 حالة لممنوعات بالمنافذ    «دعم» تؤهل قيادات تطوعية    رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء في خدمة الوطن.. أمراء يؤدون صلاة الميت على محمد السويلم    وسط تعثر المفاوضات.. موسكو تقصف منشآت الطاقة في كييف    اتفاقيات نوعية تعكس التعاون في مختلف المشاريع.. السعودية وسوريا.. مرحلة جديدة من الشراكة الاستثمارية    موجز    السعودية تترأس مجلس منظمة التعاون الرقمي لعام 2027.. «إعلان الكويت».. التزام مشترك بتحقيق تحول رقمي شامل    انطلاق «المؤتمر الآسيوي».. الكريديس: السعودية تقود حراكاً عالمياً للاستثمار في الموهوبين    3 حالات تسمح للجمعيات الأهلية بتجاوز أهدافها    حادث يدخل الفنانة نهال القاضي في حالة حرجة    أوستن مقر الأخضر السعودي في كأس العالم 2026    القيادة تهنئ الحاكم العام لنيوزيلندا بذكرى اليوم الوطني    مختص يحذر من أطعمة ترفع سكر الدم    خبراء يحذرون من مخاطر السجائر الإلكترونية    كونسيساو: الحكم تحامل علينا وحرمنا ضربتي جزاء    بحضور قيادات رياضية.. تتويج الأبطال في ختام بطولة مهد الجيل القادم    رحلات الزوجات تشعل نقاش المساحة والراحة الأسرية في جدة    مبادرة التحلل من النسك    الظلم... طريق الهلاك    دعم الإمارات للدعم السريع يفاقم أزمة السودان واستمرار القتل والعبث    انطلاق منافسات النسخة الحادية عشرة من مسابقة أمير الرياض لحفظ القرآن بشقراء    الجزائر تبدأ إلغاء اتفاقية خدمات النقل الجوي مع الإمارات    ليلة محافظة الحرث تضيء مهرجان جازان بحضور المحافظ وأهالي المحافظة    تجمع جازان الصحي يحقق إنجازًا طبيًا غير مسبوق في عمليات القلب بالمنطقة    أستراليا تطلق تجربة سريرية رائدة لعلاج أورام الدماغ لدى الأطفال    قائد قوات الدفاع الجوي يرعى حفل تخرج معهد الدفاع الجوي    أمير الرياض يستقبل سفير الكويت    جلوي بن عبدالعزيز: العمل الخيري في المملكة قائم على البذل والعطاء والتكافل    أمير منطقة جازان وسمو نائبه يعزّيان عريفة قبيلة السادة النعامية بالعالية في وفاة والدته    نائب أمير جازان يعزي شيخ شمل السادة الخلاوية وتوابعها في وفاة والده    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مسلمو فرنسا وحرب أفغانستان : "أمة" فرنسية واحدة أم تعايش أمم ؟
نشر في الحياة يوم 12 - 11 - 2001

كانت الجاليات العربية والإسلامية تعيش، قبل أسبوع من الانفجارات الدامية في واشنطن ونيويورك، تحت وطأة حملة إعلامية متصلة برواية "المحطة" للروائي الفرنسي ميشال هولبيك. وكان مسجد باريس، وهو أكبر مؤسسة إسلامية في هذا البلد، قرر ملاحقة الروائي والدار الناشرة أمام القضاء بتهمة القدح والذم. فقد اعتبر مدير المسجد دليل بوبكر، أن هولبيك يشتم المسلمين في روايته بطريقة رخيصة ومنافية للقانون الذي يمنع التعرض للأديان والمعتقدات الروحية بالسباب والشتائم.
وقبل ساعات من انفجارات الولايات المتحدة، كان وفد من الدار الناشرة للمحطة يلتقي بوبكر ويقدم اعتذاراً للمسلمين، ما بدا وكأنه انتصار للجاليات العربية والإسلامية التي باتت تتمتع بثقل ووزن أكبر بكثير من السابق في الحياة السياسية الفرنسية.
غير أن الانفجارات في أميركا قلبت الأمور رأساً على عقب، وصار المسلمون بعد 11 أيلول سبتمبر الماضي في فرنسا محل شبهة، وكفوا عن كونهم ضحية لتهجم رخيص من طرف أديب ودار فرنسية للنشر، وبات عليهم أن يطووا هذه الصفحة وأن يتصدوا للدفاع عن أنفسهم بمواجهة آراء اتهامية وظنون وشبهات، علنية أحياناً ومستورة غالباً.
ويروي الدكتور غالب بن الشيخ الحسين، وهو مثقف معتدل ومندمج في المجتمع الفرنسي، أن مدرساً خاطب في اليوم التالي للانفجارات تلميذته التونسية الأصل بقوله: "... إن الذين قادوا الطائرات الانتحارية هم من العرق الذي تنتمين إليه ولا أدري لماذا ما زلت هنا وماذا تفعلين في هذا الصف". ويؤكد الدكتور غالب أنه تلقى وعداً من أحد مساعدي وزير التربية بمعاقبة المدرس المعني، لكنه لا يعتقد أن العقاب الموعود سينزل به حقاً.
وفي سياق الحال الهستيرية التي انتشرت، ولا تزال، وقع الانفجار الشهير في أحد مصانع الكيماويات في مدينة تولوز، وعلى رغم تأكيد المحققين أن أسباب الانفجار تقنية بنسبة 99 في المئة، فإن الأنظار اتجهت نحو موظف فرنسي مغاربي الأصل في المصنع. وانهمرت التساؤلات الإعلامية حول دوره في الحادث وحول السبب الذي حمله على ارتداء ملابس مزدوجة وحول ماضيه، على رغم كونه متزوجاً من فرنسية وغير متدين، وعلى رغم شهادات المحيطين به وكلها تؤكد اندماجه وابتعاده عن الأوساط الإسلامية وانقطاع صلاته بأصوله المغاربية. ولم تهدأ الحملة التي تناولته إلا بعدما قدم القضاة أدلة قاطعة حول الأسباب التقنية للانفجار وعدم وجود دوافع ارهابية وراءه.
وما زاد في حدة الاجواء الاتهامية التي تطول المسلمين في فرنسا، انتشار روايات سرّبها المحققون على شبكات ارهابية مفترضة تتصل بتنظيم "القاعدة" وأسامة بن لادن، فضلاً عن عشرات، بل مئات، الاتصالات الوهمية بالشرطة الفرنسية وكلها تتحدث عن سيارات مفخخة أو عبوات ناسفة أو أعمال إرهابية منتظرة في الأماكن العامة ومحطات نقل المسافرين والمخازن الكبرى وغيرها. بحيث صار التنقل بالمواصلات العامة يشكل عبئاً نفسياً حقيقياً على ذوي السحنات غير الأوروبية وبصورة خاصة المسلمات المحجبات، أو الشبان السمر الملتحين أو ذوي الملامح العربية والسود.
فاتحة هذه الحملة انطلقت من الولايات المتحدة نفسها، حيث نشر المحققون الأميركيون صورة شاب مغربي الأصل من آل الموسوي متهم بأنه أحد أفراد الكوماندوس الذي فجر الطائرات وبأنه كان من ضمن فريق لم يتمكن من خطف طائرة خامسة كانت مقررة في إطار اسراب طائرات الموت الأميركية، وتدافعت وسائل الإعلام نحو عائلته التي تعيش في فرنسا، فأكد أحد أفرادها تحوله إلى التشدد الديني في لندن ولم ينف عنه التهمة التي نشرتها أوساط التحقيق الأميركية.
وبعد الموسوي، توالى الحديث عن شبكة إرهابية تضم ناشطين في فرنسا من اصول شمال افريقية ويتزعمها جمال بغال الذي اعتقل في تموز يوليو الماضي في الإمارات العربية المتحدة في طريق عودته من باكستان واعترف أمام المحققين الإماراتيين بتزعمه الشبكة التي كانت تخطط للقيام بأعمال إرهابية ضد المصالح الأميركية في فرنسا ومن بينها سفارة الولايات المتحدة في باريس. ومن أفراد الشبكة المفترضين نزار طرابلسي وهو لاعب كرة قدم معروف 31 سنة قبل أن يتحول إلى الإرهاب بحسب مصادر التحقيق الفرنسية، ومن بينهم أيضاً كمال داوودي ونبيل بونور ويوهان بونتي وجان مارك غراندفيزيه، وكلهم موقوفون رهن التحقيق.
وإذا كان من الصعب التعرف على كامل أهداف الشبكة ومدى علاقتها ب"القاعدة" واسامة بن لادن وحقيقة خططها لضرب المصالح الأميركية في فرنسا، قبل الانتهاء من التحقيقات القضائية، فإن مواصلة الحديث عنها وانتشار أخبارها في وسائل الإعلام، يصب الزيت على نار التوتر والهواجس التي يعيش في ظلها المسلمون في فرنسا. وهي حال تدفع ببعض أفراد هذه الجاليات إلى التقوقع وراء الكليشهات العامة والعريضة وأحياناً إلى تبرير ما ينسب إلى ابن لادن من أعمال إرهابية، بالتعجرف الغربي وبالضغط اليومي الذي يتعرض له الأجانب في أوروبا والولايات المتحدة.
واذا كان التشدد والتشدد المضاد محصوراً حتى الآن، بقطاعات محدودة من الفرنسيين والمهاجرين او المسلمين المجنسين، فان المسؤولين في الدولة والناطقين باسم الجاليات العربية والاسلامية يجمعون على تقديرات مشتركة لما حصل وللمواقف المتوجب اتخاذها ضد الارهاب والارهابيين. فعلى الصعيد الرسمي الفرنسي حذّر الرئيس جاك شيراك ورئيس وزرائه الاشتراكي ليونيل جوسبان من الخلط بين الارهاب والمسلمين، ووجها انتقادات لاذعة لتنظيم القاعدة ولحركة طالبان وايدا الحرب في افغانستان واكدا مشاركة فرنسا فيها في مجالات وضمن حدود معينة.
والراجح ان فرنسا لا ترغب في تكرار تجربتها في حرب الخليج الثانية نظراً إلى أن علاقاتها الحساسة بالعالمين العربي والاسلامي من جهة وكي لا تكون بيدقاً في حرب اميركية خالصة لا توفر لفرنسا مكاسب تذكر. ناهيك عن ان باريس تحسب حساباً للجاليات الاسلامية المقيمة في نطاق الاراضي الفرنسية والتي يكتنف تعايشها في المجتمع الفرنسي صعوبات جدية، خصوصاً في ضواحي المدن حيث باتت تنتشر الاسلحة المهربة من اوروبا الشرقية سابقاً ويجري الحديث عن صعوبات امنية متزايدة تصادفها الادارات الرسمية واجهزة الشرطة والامن.
من جهتها عبرت الجاليات الاسلامية عن ادانتها للارهاب بصورة قاطعة ووجه مدير مسجد باريس رسالة تعاطف مع الضحايا الاميركيين للسفارة الاميركية في باريس. واظهر استطلاع للرأي العام في اوساط المسلمين مواقف تبرز للمرة الاولى في صفوفهم وتؤكد اندماجهم التام في البيئة الفرنسية. ويبيّن الاستطلاع ان اكثر من 80 في المئة من الذين سئلوا رأىهم يندد بالارهاب ويؤيد الحرب على الارهابيين. ويؤكد الاستطلاع ان غالبية المستجوبين تفترض ان لا علاقة لما حدث في نيويورك وواشنطن بالاسلام، ما يعني ان التعاطف مع تنظيم "القاعدة" في فرنسا شبه معدوم.
وفي هذا السياق اكد كمال قبطان إمام مسجد ليون الكبير وهو من اكبر مساجد المسلمين في فرنسا انه يقف "ضد الارهاب بكل اشكاله ووجوهه في اميركا وفلسطين والعراق والشيشان". وقال انه التقى مع وفد من المشاىخ الرئيس شيراك أخيراً "وقلنا له ان الاسلام دين السلم وليس دين الارهاب، وان على فرنسا ان تدافع عن مواطنيها من كل الاديان ومن بينها الدين الاسلامي".
وابدى قبطان انزعاجه من وسائل الاعلام الفرنسية التي "تقدم الاسلام كدين يدعو الى الحرب وهذا يسيء الى المسلمين" وعما اذا كان يؤيد الحرب التي تشنها اميركا ضد الارهاب قال "انا مع الحرب ضد الارهاب ولكنني ضد الحرب التي تطال الابرياء.
من جهته اكد الدكتور غالب بن الشيخ الحسين ل"الوسط" ان المسلمين في فرنسا "يشجبون ويدينون الارهاب حتى لو كان المتضرر منه ملحداً. والمسلمون متضررون من الارهاب في مصر والجزائر وفلسطين وفي كل مكان، فالارهاب لا علاقة له بالدين الاسلامي ويتوجب على المسلمين ان يترحموا على ضحاياه بغض النظر عن جنسهم ودينهم".
وطالب بالابتعاد عن الشعارات التبسيطية وبمعاملة ضحايا الارهاب وفق مقاييس واحدة "فنحن لم نسمع احداً يدعو الى الوقوف ثلاث دقائق حداداً على ارواح الضحايا في فلسطين والعراق والهوتو والتوتسي وغيرها. وعندما نسمع الرئيس بوش يتحدث عن الصراع بين قوى الخير وقوى الشر فاننا نشعر بان هذا الحديث خطير جداً ويسمح لكل انواع الخلط والغموض بين الارهاب والاسلام والمسلمين. لكن علينا ان ندعو من جانبنا الى عدم استخدام الدين من اجل غايات سياسية، وان ندعو الى اعطاء المرأة المزيد من الحقوق واعطاء الناس المزيد من حرية الرأي والتعبير والتفكير وان ننشر ذلك داخل العالم الاسلامي، فهذه الحقوق والقيم في صلب ديننا وهي بالتأكيد تساهم في مكافحة الدعوات الارهابية التي اوصلتنا الى هذه المأساة، وهي في الاساس ناتجة جزئياً عن سياسة الغطرسة الاميركية والانحياز الاميركي التام لاسرائيل والضرب بعرض الحائط لمطالب الفلسطينيين والعرب العادلة في الشرق الاوسط".
وعبّر بن الشيخ حسين عن خشيته من تحول الرأي العام الغربي والاوروبي ضد الاسلام والمسلمين اذا ما "واصل الاعلام ورجال السياسة الحديث عن البربرية ضد المتحضرين وعن الحرب ضد قوى التخلف والعصور الوسطى والظلامية". واعتبر ان مثل هذا الحديث "يصبّ الماء في طاحونة الارهابيين الذين يريدون حشرنا جميعاً في صراع حضارات مزعوم".
يتيح ما سبق القول ان مسلمي فرنسا المجنسين والمهاجرين لا يميلون الى الخوض في حرب افغانستان كما خاضوا قبل عشر سنوات في حرب الخليج الثانية عندما ايدت اصوات كثيرة بينهم العراق بمواجهة التحالف الدولي. فهم اليوم يدينون الارهاب من دون ان ينخرطوا في تأييد الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وبريطانيا ضد طالبان وتنظيم القاعدة، ومن دون ان يعبروا عن تعاطفهم مع "الامارة الاسلامية" في كابول. اما شجبهم لسقوط ابرياء افغان في هذه الحرب فلا يتعدى مواقف فئات سياسية من مختلف الاتجاهات في فرنسا.
وعلى رغم ادانتهم الارهاب وتعاطفهم مع الضحايا الأميركيين فإن مسلمي فرنسا رفضوا الانخراط في الحملة الفرنسية ضد المشبوهين بتشكيل شبكات ارهابية في نطاق الأراضي الفرنسية، واعتبر محمد البشاري ممثل فيديرالية المسلمين في فرنسا ان هذه المهمة تقع على عاتق الدولة الفرنسية وأن المسلمين ليس من واجبهم ان يحلوا محل الدولة في التصدي لهذه المشكلة.
وإذا كانت الأزمة الراهنة، قد كشفت بوضوح عن انخراط المسلمين في المجتمع الفرنسي كمجموعة تحتفظ بآراء ومواقف وبملامح هوية كغيرها من المجموعات التي يتركب منها المجتمع الفرنسي، فإن صعوبات التعايش ما زالت قائمة وهي تظهر للعلن خلال الحروب التي تفصل بين أوروبا والعالم العربي والاسلامي، أو في حالات التصادم بين قيم الغرب وقيم المسلمين في بلدانهم الأصلية، الأمر الذي يطرح سؤالا كبيراً حول مستقبل العلاقات بين فرنسا ومسلميها في ضوء افرازات الحرب في افغانستان.
والجواب عن هذا السؤال يلخصه أحمد بابامسكه، ممثل التنظيمات والفيديراليات الافريقية في مكتب "الاستشارة" وهو أعلى هيئة تمثيلية للمسلمين في فرنسا وتضم القسم الأكبر من جمعياتهم. ويؤكد بابامسكه ل"الوسط" ان "تأثير حرب افغانستان على الجاليات العربية والاسلامية أخف بكثير من تأثيرها على بلدان أخرى، وردود الفعل التي ظهرت في صفوفهم لا تقاس بتلك التي ظهرت خلال حرب الخليج الثانية". وينفي وجود "توتر" في صفوف هذه الجاليات معتبراً أن هناك دوراً مزدوجاً تلعبه الدولة وممثلو المسلمين "فالاسلام بريء من تهمة الارهاب في نظر ابنائه وفي نظر الدولة الفرنسية". وبالنسبة للمستقبل يرى بابامسكه ان "تنظيم الاسلام في فرنسا واختيار هيئة تمثيلية منتخبة بالتعاون مع الدولة الفرنسية هو الحل المناسب لتسوية العلاقات بين الطرفين وجعلها مشابهة للعلاقات بين الدولة وممثلي الأديان الأخرى في هذا البلد"، ويرى ان "الاستشارة باتت قادرة على لعب دور يدافع عن مصالح المسلمين في فرنسا للمرة الأولى منذ سنين طويلة. والحرب الراهنة وما نتج عنها تؤكد الحاجة الى الاستشارة كمحاور باسم المسلمين يكون قادراً على رد التهم عنهم من جهة وضبط ردود فعلهم في اطار الأنظمة والقوانين الفرنسية".
والراهن ان هذا التوجه نحو الانخراط التام في المجتمع الفرنسي يستجيب للدعوات المتكررة التي صدرت عن السلطات الفرنسية حول تنظيم الاسلام والمسلمين في فرنسا حوالي 6 ملايين نسمة بوصفهم الدين الثاني في البلاد بعد الكاثوليكية لكنهم الأقل تنظيماً والأكثر عرضة للتدخلات الخارجية والأكثر تأثراً بما يدور في العالمين العربي والاسلامي.
وإذا كانت فرنسا تطمح لأن تكون هيئة "الاستشارة" التي تشكلت برعاية وزارة الداخلية وباشراف الوزير دانيال فايان نفسه، وبمبادرة من الوزير السابق جان بيار شوفينمان، اذا كانت تطمح لأن تكون هذه الهيئة محطة اساسية على طريق انبثاق "اسلام فرنسي" يكون جزءاً من "الأمة الفرنسية" وليس مجرد تجمعات موالية لأمم اخرى، فإن الوصول الى هذا الهدف، لن يكون سهلا للأسباب الآتية:
1- لأن صعوبات الاندماج والتعايش، خصوصاً في ضواحي المدن، ليست ثقافية بحتة، فالتجمعات الاسلامية تعيش اجواء الاستبعاد والبطالة وتتعرض لحملات عنصرية، ويحتاج انخراطها الى ما يشبه مشروع مارشال للضواحي من أجل توفير شروط مناسبة لانخراطها في سوق العمل تمهيداً لانخراطها التام في منظومة القيم والحقوق والواجبات الفرنسية.
2- لأن الادارة الفرنسية ما زالت محكومة بثقافة قومية متشددة تركز على ضرورة تماثل المهاجرين والاجانب مع الثقافة الفرنسية والتخلي عن أصولهم. واذا كانت هذه الثقافة الادارية الموروثة من الفترة الكولونيالية، فعالة في دمج المهاجرين من أصول أوروبية، فانها لم تفلح في ثني المهاجرين المسلمين عن أصولهم وثقافتهم ولم تقبل من جهة ثانية باندماجهم مع الاحتفاظ بملامح هويتهم الأصلية.
3- لأن الدول التي جاء منها المهاجرون الى فرنسا، وخصوصاً شمال افريقيا العربية، لا مصلحة لها في الاندماج التام لمهاجريها في المجتمع الفرنسي، لأن هؤلاء يوفرون لها دخلا مهماً من العملة الصعبة يمكن أن ينحسر في حالة الانقطاع التام عن بلدانهم الأصلية.
4- لأن الحروب والصراعات التي خاضتها فرنسا ضد العرب والمسلمين ما زال بعض آثاره ماثلاً حتى اليوم ولم تطو صفحته تماماً بمبادرات مشتركة من الطرفين، خصوصاً حرب الجزائر.
5- لأن التيار العنصري في فرنسا 15 في المئة من الناخبين لا يريد اندماج العرب والمسلمين لأسباب عرقية ودينية.
خلاصة القول إن حرب افغانستان وتفجيرات نيويورك وواشنطن خلفت آثاراً سلبية في فرنسا لكنها لم تؤثر كثيراً على مسار الاندماج الذي يحكم علاقات المسلمين بهذا البلد. وإذا كان المسلمون والفرنسيون يراهنون على التنظيم الجديد لحوالي ستة ملايين عربي ومسلم في اطار "هيئة الاستشارة" لترسيخ التعايش والتصدي لمشكلاته وصعوباته، فإن التطورات الأخيرة برهنت عن نجاح الطرفين في هذا الرهان حيث تبين ان ولاء المنظمات والجمعيات الاسلامية كان غالباً لجهة الالتزام بالسياسة الرسمية الفرنسية اكثر من أي شيء آخر، بحيث يمكن القول ان الدولة الفرنسية باتت حاضرة بقوة في الأطر التنظيمية لمسلميها، وان تعاطف بعضهم مع ابن لادن، لهذا السبب أو ذاك، ليس قادراً على ترجمة هذه المشاعر في أطر ونقابات وجمعيات موالية ومؤيدة للامارة الاسلامية في افغانستان. ولعل الصعوبات الحقيقية التي تعترض سيرورة الاندماج المذكورة ليست كامنة في الحرب الراهنة وانما في المشاكل المشار اليها أعلاه وهي سابقة على الحرب وستستمر بعدها


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.