تخيّلوا المشهد: الريف الانكليزي الاخضر، البرد القارس، القلق على وجوه الجميع. ألوف المتطوعين في سياراتهم يدورون حول المكان. ورجال الشرطة يديرون العملية كلها، بعدما اكتشفوا سيارة السيدة في وضع مشبوه، يوحي بأن في الأمر سرقة او جريمة، او - ربما على الأقل - انتحاراً من نوع مأسوي. وفي خضم كل ذلك تغذّي صحافة الفضائح وصحافة الرجال المتأنقين الحمى، من حول الحادثة: تارة بنشر اخبار متناقضة مختلفة، وتارة بنشر فرضيات، واحياناً، كما فعلت صحيفة "الدايلي نيوز" بنشر اعلان فحواه انها مستعدة لدفع ألف جنيه لمن يقدم معلومات تفضي الى العثور على السيدة... حيّة. لأنه مع مرور الوقت كان يتضاعف الأمل في العثور عليها جثة، بعدما كان الاعتقاد يميل الى اعتبارها منتحرة، او مقتولة. في العادة، تحدث عمليات اختفاء كثيرة، لرجال او لسيدات، لكبار او لأطفال. ونادراً ما كانت الصحافة او الشرطة او الناس جميعاً يهتمون مثل هذا الاهتمام. ولكن حين يكون الاختفاء، غامضاً الى هذا الحدّ، ثم خصوصاً حين تكون المختفية أغاثا كريستي، سيدة الرواية البوليسية، وحين تكون ظروف الاختفاء مشابهة تماماً لما يحدث في روايات هذه السيدة التي كانت في ذلك الحين، ولا تزال حتى الآن، تعتبر الكاتبة الانكليزية التي يقرأها الناس اكثر من اي كاتب آخر، بعد شكسبير، يصبح من السهل تفسير ذلك الاهتمام، وفهم السبب الذي جعل الناس يلتقطون انفاسهم طوال الايام العشرة التي غابت فيها أغاثا كريستي. اسئلة بلا أجوبة حدث ذلك خلال النصف الاول من شهر كانون الاول ديسمبر 1926، في وقت كانت فيه أغاثا كريستي، ولا تزال بعد شابة، تعتبر سيدة الرواية البوليسية من دون منازع. ومنذ ذلك الحين، وعلى رغم انه تم العثور عليها بعد ايام قليلة، فإن أغاثا كريستي آثرت طوال حياتها ان تحيط تلك الواقعة بالصمت والتكتّم، حتى بدا احياناً انها، هي نفسها، قد نسيتها تماماً. اذ، حتى في سيرتها الذاتية بالكاد أتت على ذكرها. ثم بالكاد اشارت الى الامر ايضاً في كتاب آخر اصدرته لاحقاً فيه مشاهد من حياتها بعنوان "صورة غير منجزة". هل تراها نسيت الواقعة حقاً؟ هل تعمّدت تناسيها لأن فيها ما يدينها؟ هل كانت تخجل منها؟ اسئلة لم يجب عليها احد، حتى قيض لسيرة أغاثا كريستي من يكتبها فحقق في الواقعة التي ينظر اليها عالم تاريخ الرواية البوليسية بوصفها واحداً من الألغاز الاكثر غرابة. ولكن ما هي الحكاية بالتمام؟ المشكلة عائلية الحكاية ان أغاثا كريستي التي كانت لا تزال صبية في ذلك الحين، اختفت طوال ايام عدة، بشكل كلي وراح الناس يبحثون عنها. ومنذ ذلك الحين، حتى وان كان قد عُثر عليها، لم يعرف أحد سرّ اختفائها، وتحولت الحكاية مع مرور الزمن الى لغز يشبه ألغاز روايات السيدة التي اصبحت بدورها، وكأنها شخصية طالعة من واحدة من تلك الروايات. في العام 1926 كانت أغاثا كريستي في السادسة والثلاثين من عمرها. ظاهرياً كان كل ما في حياتها يقول انها سعيدة وناجحة، ناهيك عن كونها ثرية تدرّ عليها رواياتها مع ترجماتها الى لغات اخرى مبالغ خيالية. لكنها في حقيقة الامر، وكما عرف محبّوها وقراؤها بعد ذلك، كانت تشعر بقدر كبير من التعاسة. صحيح ان ذلك العام بدأ بداية حسنة، حين زارت جزيرة كورسيكا مع شقيقتها وكتبت خلال إقامتها هناك واحدة من أجمل وأنجح رواياتها "سر القطار الأزرق" ولكن بالتدريج اخذت الامور تتدهور، فوالدتها وقعت فريسة مرض خطير، اما من ناحية حياتها الزوجية فكان التدهور أخطر، اذ في صيف ذلك العام ادركت أغاثا ان زواجها من الكولونيل آرشي كريستي لم يعد على ما يرام. فهو لم يعد، فقط، يهتم برياضة الغولف اكثر من اهتمامه بزوجته، بل صار يهتم اكثر بقريبة لهذه الزوجة تدعى نانسي نيل. وتدهورت الامور اكثر واكثر حين أسرّ آرشي لأغاثا بأنه عازم على الطلاق منها لكي يتزوج نانسي. كان ذلك صباح الثالث من كانون الاول ديسمبر. قال الكولونيل هذا الكلام لزوجته، ثم ركب سيارته وتوجه الى حيث يعتزم تمضية عطلة نهاية الاسبوع مع زوجته المقبلة. وجنّ جنون أغاثا… أمضت ذلك النهار كله في حزن وغضب. نسيت هدوءها المعتاد. نسيت مكانتها عند الناس. نسيت نجاحها الكبير وغيرة زوجها من هذا النجاح. وتذكرت فقط انها امرأة مغدورة، ضعيفة، وهكذا بدأت الحكاية. في مساء ذلك اليوم تركت أغاثا ابنتها روزالند نائمة في المنزل، وقادت بدورها سيارتها الى جهة مجهولة، واختفت لكن بعدما كتبت رسالتين، اولاهما موجهة لآرشي لن يعرف احد محتواها، اما الثانية ففيها كلمة مقتضبة لسكرتيرتها تطلب منها ان تلغي كل مواعيدها لأنها ذاهبة الى يوركشاير. بعد حين سيقول ضابط شرطة مسؤول انه هو بدوره تلقى رسالة من الكاتبة. سيارة ومعطف وحقيبة مهما يكن فإن اغاثا كريستي اختفت منذ تلك اللحظة. ويبدو ان الرسالة التي سيقول ضابط الشرطة انه تلقاها هي التي زرعت كل انواع الاضطراب، اذ تقول اغاثا في الرسالة انها تشعر بأن حياتها مهددة وتطلب العون. ولم يكن رجال الشرطة ولا رجال الصحافة بحاجة لأكثر من ذلك حتى يتحركوا. ومع هذا، كان هناك ما هو اكثر. اذ في اليوم التالي للاختفاء عثر فتى غجري يدعى جورج بست على سيارة متروكة وسط الطريق في منطقة سياحية تدعى نيولاندز كورنر، بالقرب من بحيرة سايلنت بول. تبين بسرعة ان السيارة هي سيارة الكاتبة المختفية. ومما زاد الطين بلّة ان السيارة كانت مغطاة بالثلوج الموحلة، ومصابيحها لا تزال مضاءة . وفي داخلها معطف من الفرو وحقيبة صغيرة فُتحت بالقوة وفيها ثلاثة اثواب وزوجان من الاحذية ورخصة قيادة لم تعد صالحة بإسم أغاثا كريستي. اذن ها هي السيارة في حالتها المثيرة للشبهات. وها هي صاحبتها غير موجودة. وخلال الايام القليلة المقبلة التالية في الوقت الذي كان البحث فيه جار على قدم وساق، من قبل مئات رجال الشرطة وألوف المتطوعين، كانت اعمدة الصحف تمتلئ بالاخبار والفرضيات والحوارات والتعليقات. كان كل ذلك يدور بالطبع حول اختفاء السيدة. وكان ثمة ما يشبه الاجماع على ان في الامر إما انتحاراً او جريمة. وفي وسط ذلك كان اعلان صحيفة "الدايلي نيوز" عن المكافأة لمن يدلي بأية معلومات. وحده يومها الكاتب ادغار والاس كتب مقالاً في صحيفة "دايلي ميل" قدم فيه فرضية سيكولوجية تستبعد انتحار أغاثا كريستي او مقتلها، وتقول ان في الامر، بالاحرى، اختفاء متعمد غاية صاحبته منه ان "تعاقب ذهنياً" شخصاً أساء اليها بتحميله مسؤولية ما يحدث لها وجعله يعاني من عذاب الضمير طوال فترة غيابها. بل اكثر من هذا جعله، ولو بشكل موقت، ينظر اليه وكأنه قاتلها. وكان والاس يعني بهذا، بالطبع، آرشي زوج أغاثا كريستي. والحقيقة انه، وتبعاً لأعرق تقاليد الحكايات البوليسية اتجه بعض الظنون نحو آرشي كريستي، وهو نفسه قال لزميل له قلقاً "انهم يعتقدون بأنني قتلت زوجتي". وكانت هذه الفرضية، على اي حال، واحدة من الفرضيات الرائجة. فالحال ان كل الفرضيات كانت محتملة، كان الامر لا يعدم تطوع "شهود عيان" يأتون من تلقاء انفهسم الى دوائر الشرطة او الى دور الصحف، ليقول بعضهم انه شاهد سيدة تشبه الكاتبة، هائمة على وجهها في هذا المكان، او ذاك، ويؤكد بعضهم الآخر، انه سمع عن جثة لسيدة في تلك الزاوية او هذه. ولم يعدم الامر ايضاً عالم كيمياء من معارف أغاثا كريستي قصد مركز الشرطة ليقول انه عرف من أغاثا اهتمامها بالتعرف على افضل وسائل الانتحار. باختصار كل الفرضيات طرحت، وتحدث العشرات عن امرأة تهيم على وجهها مرة في ليفربول ومرة في ساكس واخرى في هامبشاير او على الطريق المودية الى بيترسفيلد. وتفاقم الوضع طوال اسبوع حيث اشتركت اربعة اجهزة للشرطة في البحث وازدحمت اعمدة الصحف وراح القلق يشتد. كل هذا وليس من اثر حقيقي للكاتبة. طبعاً خلال ذلك الاسبوع ازدادت مبيعات كتبها بشكل استثنائي وراح "الشاطرون" يبحثون في ثنايا الكتب عما قد يكون من شأنه ان يبرر ما يحدث. وفي نهاية الامر، وبعد صمت فيه مسحة كبرياء كما فيه مسحة من تأنيب الضمير، اضطر الكولونيل آرشي كريستي لأن يدلي لصحيفة "الدايلي نيوز" بتصريح قال فيه: - لقد قالت لي زوجتي منذ بعض الوقت انه سيكون من شأنها ان تختفي ذات يوم، بالطريقة التي تختارها، وانها تتحدى أياً كان ان يتمكن من العثور عليها. وهذا ما يدلّل على ان الرغبة في تنظيم عملية الاختفاء هذه كانت تأكلها منذ وقت. لذلك، حسب آرشي، كان كل شيء منظماً سلفاً من قبل زوجته الغاضبة. الصحافة تسبق الشرطة ولم يكن آرشي الوحيد الذي اكد هذا، اذ كان ثمة من بين الصحافيين من قال ان العملية بكاملها مدبّرة من قبل الكاتبة الحاذقة، على سبيل الدعاية لروايتها الجديدة. صحيح ان الزمن المقبل عاد وبرهن على انه لم يكن هناك لا تدبير ولا اي شيء من هذا القبيل. ولكن بالفعل كانت العملية كلها "خبطة" دعائية من نوع نادر. فاذا تذكرنا ان احداً، حتى ولا أغاثا كريستي نفسها، لم يمط اللثام عن حقيقة ما حدث طوال العقود التالية يمكننا ان ندرك حقيقة هذه "الخبطة" حتى ولو كانت غير مقصودة. فنحن نعرف بالطبع انه قد عُثر على أغاثا كريستي، في اليوم الحادي عشر لاختفائها، وانها على الفور عادت الى حياتها الطبيعية. ولكن زمناً طويلاً مرّ قبل ان يكشف عن طريقة العثور عليها. واليوم، بما توافر من معلومات، وبتركيب الاحداث فوق بعضها البعض، يبدو كل شيء واضحاً ومنطقياً. اذ، بعد نشر صور أغاثا كريستي وبعد انتشار حكاية اختفائها كل ذلك الانتشار، كان من الطبيعي ان ينتهي احد ما الى قول ما من شأنه ان يوصل اليها والى الحقيقة. وهذا "الأحد ما" كان عازف موسيقى في فندق يدعى هيدروباتيك في منتجع هاروغيت المنزوي بالقرب من يوركشاير. فهذا العازف اتصل ذات يوم برجال الشرطة ليقول لهم انه يشتبه في ان سيدة تنزل في الفندق اسمها "السيدة نيل" هي هي السيدة المختفية. وبسرعة ارسلت الشرطة محققاً ليراقب السيدة المذكورة. لكن الصحافة كانت - وكما هو عهدها دائماً - اسرع، اذ بعثت "الدايلي نيوز" بمحرر شاب يدعى كالدر، وصل الى قاعة الفندق وما ان لمح السيدة نيل حتى تقدم منها وناداها قائلاً: "سيدة كريستي… كلمة من فضلك". وبسرعة تجاوبت السيدة معه، حسب ما روى بعد ذلك، وقالت له انها "تعتقد" بالفعل انها السيدة كريستي، لكنها لا تعرف ما الذي تفعله ها هنا، مضيفة انها ربما كانت تعاني من حالة فقدان ذاكرة جزئية. ثم تركته وتوجهت الى غرفتها. فيما راح هو يواصل تحقيقاته لدى ادارة الفندق ليتبين له ان هذه السيدة مسجلة باسم السيدة تيريزا نيل وتقول انها من مدينة الكاب في جنوب افريقيا، أتت الى هنا لتقضي فترة من النقاهة بعدما فقدت ابناً في حادث أليم. لم أعد أذكر شيئاً كان من الطبيعي ان تصل الشرطة في تلك الاثناء، لكنها آثرت ان تراقب الاوضاع عن كثب قبل ان تتدخل، بل بعثت تطلب الكولونيل آرشي كريستي الذي وصل بعد ظهر اليوم نفسه، وبسرعة تعرّف على زوجته اذ كانت تعبر بهو الفندق، فناداها. فتوجهت نحوه من دون ان تشعر بأدنى ارتباك ملتفتة الى مجموعة من الزبائن قائلة لهم: "غريب... انه اخي وقد وصل الى هنا لتوه!". واحد من الزبائن الذين رأوا المشهد قال بعد ذلك ان الزوجين جلسا على الفور متباعدين على مقعدين قرب مدفأة البهو وامضيا ليلتهما من دون أن يتفوها بكلمة. اما الكولونيل فأدلى للصحافة بتصريح قال فيه: "ليس ثمة اي شك في الامر. السيدة هي زوجتي وقد تعرفت عليها. كل ما في الامر انها وقعت ضحية لفقدان الذاكرة بحيث اعتقد انها لا تعرف الآن من هي حقاً. عندما رأتني لم تتعرف عليّ وأعربت عن جهلها للمكان الذي توجد فيه. اعتقد انها بحاجة لبعض الراحة والهدوء. وغداً سأصطحبها الى لندن لكي تستشير طبيبها واختصاصيين". وبالفعل نشر طبيبان واخصائي في الاعصاب، بعد ايام تصريحاً قالوا فيه ان أغاثا كريستي تعاني حقاً من فقدان للذاكرة، وانها يجب ان تظل في منأى عن اي قلق وازعاج وكان هذا يعني انه يجب الا تطرح عليها اية اسئلة. ولم يطرح احد اية اسئلة عليها. لكن الصحافة التي أغاظها هذا كله عادت لتؤكد ان أغاثا كريستي رتّبت العملية بكاملها على سبيل الدعاية. وآثرت كاتبتنا الشهيرة ان تصمت. وظلت صامتة طوال عقود من السنين. طلّقت زوجها بعد ذلك. وزادت مبيعات كتبها. وابتكرت مئات الشخصيات. قتلت بعضها ووضعت بعضها في السجون. وفي روايات لها اختفت نساء كثيرات وغُدر بنساء اكثر. وهوجمت سيدات وخان رجال زوجاتهم. وفي خضم ذلك كله ظلت صامتة. وكان يمكننا ان نقول انها اخذت سرها معها الى القبر، السر المتعلق باختفاء عشرة ايام هزّت بريطانيا وصحافتها. لولا ان كاتب سيرتها تشارلز اوزبورن أقنعها قبل رحيلها بشهور قليلة بأن تعود الى ذكرى ما حدث فعادت، ثم نظرت اليه بشيء من المكر وقالت: صدّقني لم أعد أذكر أي شيء عن هذا الامر