بعض العرب اقترع لشمعون بيريز وبعضهم اقترع لبنيامين نتانياهو، لكنهم جميعاً تسابقوا في التعبير عن مخاوفهم من تعثر مسيرة التسوية وسقوطها تحت ضربات ليكود وحلفائه المتدينين، كأن الشروط التي كانت تحكم هذه المسيرة أيام زعامة حزب العمل والانجازات التي تحققت تلبي الشروط العربية والحقوق العربية. نسوا آلاف التصريحات والبيانات والوقفات على أطلال التضامن العربي وهم يرددون أن الوضع العربي والمتغيرات التي طرأت بعد غزو العراقالكويت وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي و... و... كلها أملت على العرب قبول ما قبلوا لتحقيق السلام الذي هو "حاجة اسرائيلية" ولا ترضى به الشعوب العربية. لماذا إذاً كل خوفهم هذا على "السلام الاسرائيلي" إذا كان في إسرائيل من لا يريده ويرفضه، إلا إذا كانوا يخشون أن يقبلوا في عهد نتانياهو بما كانوا يرفضون في عهد سلفيه، رابين وبيريز؟ ألم يكن من الأجدى أن يحرصوا منذ البداية على الحد الأدنى من التضامن بدل الدخول طرفاً متحمساً في لعبة انتخابات الكنيست؟ ما يشفع لهم ربما هو دخول أطراف دولية هذه اللعبة أيضاً، وليس بينها الرئيس بيل كلينتون وحده الذي يبدو أنه نسي حاجته إلى أصوات اليهود ودعم لوبيهم في بلاده، وأنه هو تحت رحمتهم وليس العكس. في أي حال لم يعلن الزعيم الإسرائيلي أنه سيوقف مسيرة مدريد، فيما العرب يبدون بهذه الحركة "التضامنية" أكثر حرصاً على السلام، مثلما يبدي العالم كله حرصاً مماثلاً. التسوية إذاً قرار استراتيجي أميركي - دولي أكبر من زعيم دولة حتى وإن كانت إسرائيل، لذلك لن يسمح النظام الدولي الجديد لأحد بعرقلته أو إسقاطه، لأن الظروف التي هيأت لمؤتمر مدريد، من حرب الخليج الثانية وسقوط الحرب الباردة وما تلا ذلك من تشرذم عربي وخلل في ميزان القوى الاقليمي والدولي، لن تتكرر. ولن يكون نتانياهو، الناطق بإسم اسحق شامير في مدريد، أقوى من سيده فيرفض الجلوس إلى طاولة المفاوضات وإن كان في نيته إطالتها حتى يقبل العرب بالحد الأدنى. بل ليس في إسرائيل، ولم يكن فيها، لا في العمل ولا في ليكود، من يظهر استعداداً لقبول تسوية مفروضة. من أيام مناحيم بيغن وحتى بيريز مروراً بشامير ورابين، يؤكد الإسرائيليون مبدأ وجوب احتفاظهم بالمبادرة الأولى في السلام كما هي حالهم في الحرب، فلا حلول في ظل ظروف لا تواتيهم ولا تسويات لا تلبي شروطهم وطموحاتهم. ولا مبالغة في القول إن حملة التأييد العربية والأميركية لبيريز خدمت خصمه، كأن الإسرائيليين أرادوا تثبيت هذا المبدأ وترسيخه فلا شركاء أميركيين ولا خصوم عرباً يمكنهم أن يخلقوا ظروفاً لا تناسبهم أو تزرع الخوف في نفوسهم. ولا مبالغة في القول أيضاً أن حرص بعض العرب على دعم بيريز وحرص آخرين على إسقاطه عزز مكانة اليهود المتدينين وأحزابهم فحققوا في الانتخابات ما لم يحققوا في كل تاريخ الدولة العبرية، حتى باتوا ثقلاً ليس فقط على التسوية بل على التيار اليهودي العلماني الذي حكم الدولة بشقيه اليساري واليميني. ولن تكون قوة المتدينين العائق الوحيد في وجه نتانياهو، بل صقور ليكود الآخرين، من شارون وإيتان وليفي، الذين يشكلون مراكز قوى لا يمكن الزعيم الإسرائيلي الشاب تجاهلها والقفز عنها... إلا إذا قرر التحرر منها لتأكيد زعامته فلا يكون أمامه سوى التحالف مع خصومه في العمل في حكومة ائتلافية. وقد لا يكون هناك مفر من مثل هذه الحكومة إذا كان لا بد لمسيرة مدريد أن تستأنف. وقبل أن يصبح قيام هذه الحكومة "مطلباً" عربياً وأميركياً، كما كان فوز بيريز مطلباً، هناك وقت ضائع سيحاول نتانياهو فيه التفاهم مع صقور تكتله ومع المتدينين لترويضهم أو التخلص منهم في مرحلة لاحقة أو السقوط تحت قبضتهم... ولكن كيف سيحاول العرب على كل جبهات التفاوض قتل هذا الوقت لئلا يقتلهم؟ يبقى سؤال أخير: إذا كان بيريز بشعاراته العاطفية والرومانسية في سعيه إلى شرق أوسط يسود شعوبه ودوله تطبيع على كل المستويات، لم يستهو نصف الإسرائيليين ولم يقنع معظم العرب، شعوباً على الأقل، فهل يكون نتانياهو بهواجسه الأمنية ومخاوفه قادراً على فهم هواجس العرب المترددين فيحقق نوعاً من التسوية التعايشية بدل قرع طبول الحرب إلى إن يحين زمن السلام الحقيقي الذي يلبي طموحات كل شعوب المنطقة... أم يشكل مرحلة انتقالية بكل ما تعنيه من انتظار حافل بالمخاطر القاتلة لإسرائيل وجيرانها؟