اشتهر محمد سلامة المتهم الرئيسي في تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك بأنه الشاب الذي عاد الى مكتب تأجير السيارات لاستعادة تأمين قيمته 400 دولار دفعه في مقابل استئجار حافلة صغيرة يقول انها سرقت منه، بينما يقول مكتب التحقيقات الفيديرالي انها حملت قنبلة زنتها 600 كيلوغرام انفجرت في مرأب فندق، أسفل مركز التجارة. ولم يفعل محمد سلامة ذلك فقط بل ساوم في اليوم الذي سبق مطالباً ب 20 دولاراً من البنزين وضعها في الحافلة ولم يستهلك البنزين لأنها سرقت منه فطالب بقيمته، اضافة الى التأمين. وبعد جدل اتفق ومكتب تأجير السيارات على استرداد 10 دولارات على أساس انه ربما استهلك نصف كمية البنزين قبل سرقة السيارة. ولا يزال محمد يعتقد بأنه لم يستهلك أكثر مما قيمته 5 دولارات. هذه الحادثة يرويها الدكتور محمد مهدي رئيس المجلس العربي الأميركي، وأحد الناشطين العرب في نيويورك منذ الستينات، وزار سلامة في سجنه ثلاث مرات "لأنني بمثابة والده اذ لا يوجد أحد من اقربائه هنا". ويعلق: "اما أن يكون محمد سلامة مبدعاً في التضليل والخداع واما انه أكثر الناس براءة"! المحاكمة في موعدها؟ ويفترض ان يقدم سلامة، السجين في سجن متروبوليتان كوريكشنال سنتر في نيويورك ويحمل الرقم 054-34338 الى المحاكمة في 15 من ايلول سبتمبر المقبل، إلا أن المحامي مايكل وارنت الذي قد يدافع عنه إذا استطاع أصدقاء المتهم دفع النفقات، يعتقد بأن المحكمة لن تعقد في موعدها "فلا تزال تفاصيل جديدة تكشف، والأدلة ناقصة لدى ال "اف. بي. آي."، وهناك علاقة بين قضية مركز التجارة والقضية الجديدة التي اتهم فيها 10 مسلمين بالتخطيط لسلسلة من الأعمال الارهابية في نيويورك". ومن الثابت ان المحاكمة التي ستكون علنية ستحظى باهتمام اعلامي كبير فالقضية مثيرة، واحتلت الصفحات الأولى من الصحف الأميركية، وتفاصيلها متشابكة. وهناك اجوبة عدة حيال الحوادث الغامضة في حياة محمد سلامة والتي دفعت الى اتهامه بالمشاركة في تفجير مبنى يشغله حوالي 50 ألف شخص. ولا يمكن التثبت الآن من الروايات المتداولة، وذلك لتعددها وانتقالها من شخص الى آخر ما قد يقلل من صدقيتها. ولا يزال المتهم يؤكد براءته في كل مرة يتصل بأصدقائه أو يرسل اليهم رسالة، ولا يزال اصدقاؤه مقتنعين بذلك. وحصلت "الوسط" على مجموعة من رسائل سلامة الى اصدقائه، يتحدث فيها عن كل شيء إلا عن القضية... يقول مثلاً في احداها: "... واما بالنسبة الى القضية فأعتقد بأنكم على اطلاع على مجرياتها وتطوراتها إذ ينشر كل شيء في الصحف اليومية. وعلى كل حال يمكن الرجوع الى المحامي روبرت بريخت". لكن المحامي هو الآخر لا يتحدث كثيراً في القضية وان أكد غير مرة انه مقتنع ببراءة موكله وان هناك "تبريرات منطقية لكل تصرفات سلامة". ويبدو ان بريخت نفسه يبحث عن معلومات عن اصدقاء سلامة وظروف حياته، وشكا الى أحد الناشطين في العمل الاسلامي في الولاياتالمتحدة من أن الجالية الاسلامية في جيرزي سيتي ليست متعاونة تماماً. لكن الجالية هي أيضاً لم تعد تثق بأحد ويفضل معظم ابنائها ان ينأوا بأنفسهم عن قضية لا ناقة لهم فيها ولا جمل. كما ان كثيرين منهم لا يملكون معلومات مهمة عن سلامة "فليس هناك شيء مهم عن حياته أكثر من أنه مهاجر حاول جاهداً ان يحسن أوضاعه المعيشية، وكان بسيطاً واجتماعياً ويعرف الكثير من الناس"، كما قال مهاجر مصري أمضى سلامة عنده بضع ليال بينما كان يتنقل من بيت الى آخر. سلامة المطمئن ويبدو ان علاقات سلامة الاجتماعية ومعرفته الكثير من الناس، سببت له بعض المشاكل، فحتى شخصيات القضية الجديدة يعرفها مثل الضابط السابق في الجيش المصري والمتعاون مع مكتب التحقيقات عماد سالم الذي أقرضه 100 دولار. ويبدو سلامة مطمئناً هادئاً في رسائله الى أصدقائه والتي يقول انه لا يمانع في قراءتها "أمام الاخوة في جلسة سمر". فهو يتحدث عن أحوال مسجد السلام فيقدم اقتراحاته لحل مشاكل المسجد التي زادت مع وصول الشيخ عمر عبدالرحمن. وكانت الخلافات احتدمت في مسجدين في منطقة نيويورك هما السلام في جيرزي سيتي وابو بكر الصديق في بروكلين عندما انقسم المسلمون فيهما بين مؤيد للشيخ الضرير ومعارض له. وتجنبت بقية المساجد هذه المشاكل عندما أغلقت أبوابها أمام زعيم "الجماعة الاسلامية" في وقت مبكر بعدما استقر في المنطقة عام 1990. ويقول الشيخ محمد الحانوتي المسؤول السابق في المركز الاسلامي في جيرزي سيتي وأحد المسؤولين حالياً عن مجمع اسلامي ضخم في باسيك كاونتي في الولاية نفسها: "لم نمنع عمر عبدالرحمن من دخول مساجدنا كمصلٍ وانما منعناه من القاء الدروس والخطابة، اذ للرجل منهج لا يوافق رأي غالبية المسلمين هنا. وأكدت الاحداث الحالية صحة قرارنا السابق". "الجماعة المغلقة" وبينما يوصف رواد المراكز الاسلامية الكبرى في المنطقة بأنهم من "الاخوان المسلمين" أو المهاجرين القدامى الميسورين، فإن "الاخوة" الذين أشار اليهم سلامة في رسائله هم رواد مسجد السلام وهو مسجد متواضع في الدور العلوي من مبنى في الشارع الرئيسي لجيرزي سيتي، بالقرب من محطة القطارات حيث يقف عشرات المصريين من سائقي سيارات الأجرة والعاملين في وظائف شتى وسط المدينة. ومعظم هؤلاء حديثو الهجرة ودخلهم متواضع، لكنهم يتميزون بتكاتفهم واختلاطهم المستمر بعضهم ببعض مشكلين بذلك "جماعة مغلقة" وسط مجتمع أميركي متعدد الأعراق في مدينة جيرزي التي يكثر فيها المهاجرون من أميركا اللاتينية والهند... اضافة الى مصر. ووسط هذه الجماعة "المغلقة" أمضى سلامة أيامه منذ هجرته الى الولاياتالمتحدة بحثاً عن حياة أفضل في مدينة لم تعد تحظى بإعجاب كثير من سكانها الأميركيين الذين تركوها لمهاجرين يعملون في شتى الوظائف البسيطة في نيويورك. اصدقاء سلامة والتقت "الوسط" مجموعة من أصدقاء سلامة في جيرزي سيتي وجميعهم لا يرغبون في اعلان اسمائهم، اذ يخشون ان يتعرضوا لمضايقات في بلادهم مصر بعد عودتهم اليها، فجميعهم - حتى الآن - لا ينوون الاقامة الدائمة في الولاياتالمتحدة، وانما ادخار ما يكفيهم من المال لبدء حياة جيدة في مصر. ويقول أحدهم ان من عُرف بنشاطه في المراكز الاسلامية قد يتعرض للاعتقال في مصر. كما انهم لم يعودوا مطمئنين الى من يتحدثون بعد اكتشاف أمر الضابط السابق في الجيش المصري عماد سالم المتعاون مع ال "اف. بي. آي.". ويقول احمد وهو مهاجر ترك عمله في أحد مصانع الجلود لفتوى سمعها بأن العمل في دباغة جلد الخنزير لا يجوز: "نحن نعلم بوجود مباحث مصرية بيننا من زمن طويل، ولكن بعد حكاية عماد سالم وتوريطه الشباب لم نعد نثق بأحد". ومن الصعب وصف هؤلاء المهاجرين بأنهم اتباع للشيخ عمر عبدالرحمن أو تنظيم "الجهاد"، فمعظمهم جاء لأسباب اقتصادية، وهم من المسلمين العاديين، ولم يكن الشيخ عمر سوى عالم دين مميز بينهم فتجمعوا حوله، كما انهم يشعرون بأن رواد المراكز الاسلامية الكبرى المجاورة لهم يتعالون عليهم "لأنهم أغنى منا ولهم علاقات بالسلطات المحلية ولا يرحب المسؤولون في هذه المساجد إلا بمن كان على خط الاخوان المسلمين". ولذلك ظهر بعض المساجد الصغيرة كمسجد السلام ومسجد أبي بكر لتكون مستقلة "لكنهم تركوا الاخوان ليقعوا في يد جماعة "الجهاد" التي تسعى الى ايجاد قاعدة لها ومراكز يستطيع الشيخ عبدالرحمن العمل منها" كما قال مهاجر سوداني طلب عدم ذكر اسمه. ولوحظ ان هذين المسجدين انشغلا بسلسلة من الخلافات التنظيمية وصراعات القوى للسيطرة جلبت الشرطة الى بابه أكثر من مرة، وحملت سلامة على كتابة صفحتين في احدى رسائله يتحدث فيهما عن مشاكل مسجد السلام ويقدم مقترحاته لحلها. حياة مضطربة وكثيراً ما كان سلامة يلقي دروساً في المسجد اذ كان لديه علم شرعي لا بأس به، وان وصفه أحد معارفه بأنه كان "حافظاً ولم يكن عالماً". ويبدو انه عاش حياة مضطربة اذ تنقل في أكثر من عمل وانتهى سائق سيارة قبل القبض عليه ببضعة شهور. ولم يستقر في منزل واحد لفترة طويلة، ففي الأيام التي سبقت اعتقاله كان يبيت لدى اصدقائه، ولهذا أوقفه مكتب التحقيقات الفيديرالي في مكتب لتأجير السيارات، وليس في منزله، اذ لم يجدوا له عنواناً. ومن المفارقات ان امتعته ايضاً كانت في أكثر من مكان. ففي البداية صادر رجال ال "اف. بي. آي." امتعة وأنابيب اختبار وأجهزة كهربائية من شقة أقام فيها سلامة في 34 كنزنغتون افنيو، وقال عنها مدير مكتب التحقيقات في نيويورك انها تدل الى أن صانع قنابل يعيش في هذا المكان. وبعد 3 شهور ظهر المالك الحقيقي لهذه الأمتعة واسمه مصعب ياسمين الذي ارسل الى قاضي التحقيق خطاباً يطالب باستعادة حاجاته التي قيل أنها لسلامة. ولم يهتد مكتب التحقيقات الى أمتعة سلامة الحقيقية الا بالمصادفة عندما كان رجاله يقومون بجولات تحرٍ عادية على شقق العرب في جيرزي سيتي، اذ قال لهم مقيم في احدى الشقق "تريدون أغراض سلامة؟ انها هنا". ويقول سمير الصردي، وهو الوحيد من المهاجرين المصريين الذي لا يمانع في ذكر اسمه بل شكل لجنة من أصدقاء سلامة لجمع التبرعات له: "لقد نظرت في الاغراض ولم أجد فيها ما يوحي بأي شيء يدعو الى الشك"! سلسلة من الألغاز ولكن على رغم شتى التبريرات المنطقية لتصرفات سلامة، فانه يظل يثير سلسلة من الألغاز والأسئلة: لماذا مثلاً استأجر سيارة النقل الصغيرة وهو ذو الدخل البسيط؟ ومعروف ان السيارة سرقت كما ادعى وحملت القنبلة الى مبنى التجارة العالمي، كما يقول مكتب التحقيقات. وبالطبع فإن الاجابة انه كان ينوي نقل أمتعته غير مقنعة، اذ ان ذلك لا يحتاج الا ليوم واحد كما ان الشقة التي قرر الانتقال اليها مع ثلاثة آخرين لم تكن جاهزة بعد. ولماذا المستودع الذي استأجره باسم كمال ابراهيم؟ وإذا كان كمال شخصية حقيقية فلماذا لم يظهر حتى الآن؟ وكيف دخلت المواد الكيماوية اليه من دون علمه، كما يقول؟ وثمة من يروي انه استأجر المستودع لحفظ أمتعته الشخصية ريثما يحصل على سكن ثابت حسبما قال للدكتور محمد مهدي. ولماذا فتح حساباً مصرفياً مع نضال عياد وبلال القيس وكلاهما متهم معه في القضية؟ وهناك تبريران الأول ان سلامة لم يكن عنده رقم "سوشال سوكيرتي"، وهو رقم لا بد من ان يحمله كل مقيم في الولاياتالمتحدة، ولذلك فتح حساباً مشتركاً مع عياد. والرواية الثانية انه كان يخطط لمشروع تجاري مع صديقيه لبيع "حليب للأطفال". وهناك أيضاً لغز جوزيه هداس صاحب أو صاحبة رقم الهاتف الذي قدمه سلامة في عقد استئجار سيارة النقل. والتبرير المنطقي المتوافر حالياً هو ما نقله الدكتور مهدي عن المتهم، أي ان "اختراع" اسم كان فكرة اقترحها مصعب ياسين جار سلامة في السكن، لكي يستطيع سلامة التحايل وتحاشي دفع قيمة فواتير الهاتف الكبيرة... لكن هذا يتنافى مع سمعة المتهم بأنه كان مسلماً أميناً. ستظل هذه الأسئلة معلقة وكذلك الأجوبة عنها، الى أن يحين موعد المحاكمة التي ستكون مثيرة، وستكشف الكثير... وربما مسائل بسيطة غير مهمة لقضية بسيطة وساذجة!