دعا عدد من الكتاب والمثقفين بعضهم بعضاً إلى الصيام في شهر رمضان المبارك، عن والكلام والكتابة المنفلتة، والكف عن التفكير في تغيير العالم على أمزجتهم. مشيرين إلى أن صوم المثقفين عن الكلام ليس نكتة عابرة، بل علاجاً للثرثرة، وترشيداً للاستهلاك الفارغ للغة، وحماية لعقول القراء من البلبلة والتشتت، وامتناعاً عن إطلاق الكلام على عواهنه في كل المناسبات والأوقات. من جهة أخرى، للصوم معان عدة، قد لا يكون سهل حصرها، خصوصاً أن الكثيرين قد تناولوا هذه المعاني من خلال مواقعهم الحياتية. واختلفت فلسفة الصوم لدى العامة عما لدى المفكرين أو المثقفين أو الشعراء، فها هو أحمد شوقي يقول مخاطباً من يصوم في رمضان عن الطعام والشراب:"يامديم الصوم في الشهر الكريم... صم عن الغيبة يوماً والنميم". أما الشاعر محمود حسن إسماعيل فخاطب رمضان قائلاً: "أضيف أنت حل على الأنام/وأقسم أن يحيا بالصيام/قطعت الدهر جواباً شافياً/يعود مزاره كل عام". أما الشاعر الليبي حسن السوسي فقال عن صوم رمضان: "الصوم تطهير النفوس وغسلها/من سائر الأوضار والأعلاق/ هو للجسوم زكاتها ونماؤها/ مثل الزكاة تحق في الأرزاق/ والصوم لا عن مأكل أو مشرب/بل ثم بعض توابع وبواق/أنا لا أصوم عن الطعام وشيمتي/ نهاش أعراض حليف شقاق". وهناك من الأدباء والمثقفين من لهم رؤيتهم في الصيام، فعن ماذا يصوم المثقفون في رمضان خلافاً للمفهوم المتعارف عليه والانقطاع عن الطعام والشراب. الشاعر عبد الكريم العودة، الغائب الحاضر، يقول:"للمثقف فرحتان: فرحة حين يكتب، وفرحة حين ينشر ويلتقي بقرائه، وبعض المثقفين لا يكتفي بذلك، بل يزيد عليها فرحة ثالثة، وذلك حين يرى أفكاره المريضة وهلوساته العدمية تتجسد على الأرض، من دون أن يشعر أنه بذلك يسهم في تخريب العالم. والعراق خير شاهد على ذلك. ويدعوهذه الفئة من المثقفين إلى أن"يجربوا صيام مريم بنت عمران عليهما السلام عن الكلام، والامتناع عن الكتابة المنفلتة من كل عقال، والكف عن التفكير بتغيير العالم على أمزجتهم، لكي يشعروا بالجوع الثقافي الذي يعانون منه على حقيقته، وليدركوا أن بلاغة الصمت والتأمل والاسترخاء، كفيلة بتنظيف عقولهم، وتطهير ضمائرهم، وفتح عيونهم على المشكلات الحقيقية لمجتمعاتهم". ويشير إلى أن صوم المثقفين عن الكلام"ليس نكتة عابرة، بل هو علاج حقيقي للثرثرة، وترشيد للاستهلاك الفارغ للغة، وحماية لعقول القراء من البلبلة والتشتت، وامتناع عن إطلاق الكلام على عواهنه في كل المناسبات والأوقات. وفي عصر الفضائيات والإنترنت، وملايين الأفكار التي تجوب الفضاء السبراني، تشتد حاجة المثقفين للصمت والإمساك عن الكلام، لمراجعة أفكارهم، ومحاكمة أنفسهم، وتحسس مشاعر قرائهم، والوقوف على هموم بلادهم المثخنة بجراح الكلام المباح". ويشدد العودة على صوم المثقفين عن الكلام،"هو كصوم التجار عن الغش، واللصوص عن السرقة، والمجرمين عن القتل، والمسؤولين عن الاختلاس، والقضاة عن الظلم، والدعاة عن الافتئات، والحكام عن الجور... فهذا كهذا...! والقاعدة في الصوم عن الكلام، كما يقول خبراء النفس، أن يدخل المثقف في صمت مطبق، من دون إحساس أو تفكير، ويركز على صورة ثابتة، أو حركة روتينية، لتقوية النصف الأضعف من الدماغ المسؤول عن الخيال، وإراحة النصف الأقوى منه المسؤول عن التفكير والتحليل، ويقول أستاذ الطب النفسي الدكتور سامي محمود في كتابه"القلق... أسبابه وعلاجه"إن فترةپالاسترخاءپالذهني والعضلي"حيث يجلس الإنسان صامتاً وحيداً في جو هادئ"هي الفترة التي ينفتح فيها العقل الواعي على العقل الباطن"فتذوب عوامل الكبت ومظاهر القلق، ويتخلص الإنسان من أي نازع خفي يكون مستتراً تحت الشعور من دون وعي منه". ويقول إن الصحف ومواقع الإنترنت:"نشرت قبل فترة خبراً عن ظهور حركة في الولاياتالمتحدة الأميركية تنادي بما يسمى الصيام عن الكلام و يقولون: إن قضاء فترة من الصمت كل يوم يوفر الراحة النفسية، وينظم التفكير ويساعد الإنسان على ترتيب أولوياته الحياتية بوضوح". ويقترح العودة على المثقفين العرب"الالتحاق بهذه الحركة الجديدة، أو إنشاء حركة مماثلة خاصة بهم. اللهم اهد مثقفينا إلى طريق الصمت، وأحفظهم من عثرات اللسان، واكفنا وإياهم من شر حصائد ألسنتهم، يارب العالمين. آمين!" وتناولت الروائية منيرة السبيعي مفهومها للصوم فتقول:" أتصور أن الطبق الرئيسي للمثقف هو الكتاب، فهل يستطيع الامتناع عن نهمه؟ عنّي أنا أتحايل على هذا الصيام فأستبدل الكتاب العربي بالإنكليزي، والذي لا يمتعني بمطالعته مقارنة بنظيره العربي، إذ يسرق مني بعضاً من متعة الاسترسال في القراءة نظراً لتشتت تركيزي على فهم اللغة من جهة واستقبال المعلومة من جهة أخرى. ولعل المثقف أو الكاتب يصوم عن القراءة والكتابة معاً ويكتفي بالتأمل وشحذ الذهن ويهدينا عيديه مميزة بعد ذلك الصيام ولكن إجمالاً الصوم في غايته الرئيسية هو ضبط للنفس وإعلاء للروح، وتحكم في الشهوات، وشهوة المثقف الأولى القراءة فربما لو امتنع عنها موقتاً يحدث تغيراً في نتاجه العام ويقدم لنا لاحقاً ثمرة جديدة ربما لم تكن لتأتي مختلفة من دون ذلك الصيام". ويرى الدكتور عبدالله الفيفي ألا صوم للمثقف عن الثقافة في رمضان."إذ ينبغي ألا تختلف برامجنا في هذا الشهر عن غيره، باستثناء ما يميّز الشهر الفضيل في أمور العبادة. إلا أن تغيير المواعيد العامّة، لمقتضيات العمل والحياة الاجتماعية التي أضحت تفرض علينا نظامها في كثير من الأمور، لم تعد تتيح لنا ذلك الفعل الإنتاجي، لا مثقفين ولا غير مثقفين. إن الصائم في هذا الشهر ليتجرّد من كل شواغل المأكل والمشرب، التي تتحوّل بالعادة إلى مجرد عادات، قد لا يحتاجها الإنسان أصلاً، فيفرغ بذلك عقلاً وروحاً، لأداء عمله، وهذا واحد من أسرار الإنجازات التي يستطيع إتمامها الإنسان في رمضان أكثر من أي شهر آخر، بحثاً وقراءةً وإبداعاً. ولكن ما يحدث الآن هو الصوم نوماً، من المثقفين ومن المؤسسات الثقافية معاً، بحجة: نحن صائمون، أو بالأحرى: نائمون". وتقول الشاعرة سعدية مفرح، التي توضح أنها ضد التصنيفات التي تضع المثقف في سياق انعزالي عن غيره:"إن المثقفين مثل غيرهم في رمضان، لكن على أية حال نهاري الرمضاني مزدحم جداً، فمتطلبات عملي في الصحافة تتضاعف في رمضان خاصة وأننا في الكويت اعتدنا منذ زمن طويل على الطباعة المبكرة للصحف خلال رمضان، فالصحف الصباحية تغيّر مزاجها في الصدور وفقاً لمزاج القارئ الرمضاني المحب للسهر، إذ تصدر تلك الصحف طبعاتها الأولى وهي الوحيدة مع انطلاق مدفع الإفطار، وتصل إلى يد القارئ بعد انتهائه من تناول إفطاره تقريبا...وهذا يجعلنا كعاملين في الصحف في سباق محموم مع الوقت، وبالتالي لا نكاد نشعر بمرور الوقت نهاراً، أما الفترة المسائية فأقضيها مع الأهل والمقتضيات الأسرية ومتابعة ما يمكن متابعته في التلفزيون". وتلفت إلى أنه"لا قراءة أو كتابة بشكل جدّي في هذا الشهر، على الرغم من أن الأمر لا يخلو من قصيدة ما تتسلل أحياناً، عبر فجوات الوقت المزدحم لتجد وقتها الخاص". ويتساءل الكاتب المسرحي محمد السحيمي:"الكاتب إذا صام عن غير الطعام والشراب والرفث، فكيف يعيش؟ لا بدّ له من النميمة والخوض في أعراض الناس، والكذب، والنفاق، والتهويل والتهوين، والتلفيق، والادعاء والفشخرة... ولكن الأتقياء أمثالي طمعاً في عفو الله تعالى: لا يفعلون ذلك إلا في الليل، ويقضون النهار كله في النوم، عملاً بالحديث الشريف:"الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها"!