ساحل العاج تتأهل لمواجهة مصر في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    ابتداءً من أول فبراير.. فتح السوق المالية لجميع المستثمرين الأجانب    أمير جازان يتفقد مشروعات أمانة المنطقة ويطّلع على سير الأعمال في عدد من المرافق البلدية    المملكة ترسخ مكانتها العالمية في الاتصالات والتقنية    انطلاق معرض الصناعات بمكة    الأمم المتحدة تدعو طهران لاحترام حق التظاهر.. إيران للمحتجين: سنرد بحزم    نيكولاس: أنا بريء.. وتقييم أمريكي: رجاله أقدر على القيادة.. منشقون عن مادورو يخططون لتأسيس «قيادة عليا»    مفاوضات بين تل أبيب ودمشق.. اتهام «قسد» بقصف حي الميدان في حلب    إحساس مواطن    وزير الرياضة يفتتح منافسات كأس آسيا تحت 23 عامًا 2026 "السعودية" في جدة    في ختام الجولة 15 بدوري يلو.. العلا في ضيافة الرائد.. والزلفي يواجه جدة    كانسيلو يقترب من البارسا.. وليفاندوفسكي يرفض الهلال    الفنان أحمد مكي يقاضي مديرة أعماله    «درون» لمراقبة المشاريع والمخالفات    «الشورى» يطالب جامعات بتطوير الحوكمة والتحول الرقمي    من سيرة منْ يقرأ في الحمام    ضد النسخ!    فصل موظف كشف آلاف «الأخطاء الإملائية»    الذكاء الاصطناعي يقدم نصائح صحية مضللة    بريطانيا تمنع إعلانات الأطعمة غير الصحية نهاراً    مختص: فقدان كلجم كل أسبوعين معدل صحي للريجيم    آلة ب400 مليون دولار تصنع عقول الذكاء الاصطناعي    المملكة توزّع (510) سلال غذائية في مدينة فيض آباد بأفغانستان    سوريا: وفاة طفل وإصابة آخر إثر قذيفة أطلقها «قسد» في حلب    المنتخب الجزائري إلى ربع نهائي كأس أمم أفريقيا    فليك: مواجهة أتلتيك بلباو صعبة ونسعى لتحقيق الفوز    الأخضر تحت 23 عامًا يتغلّب على منتخب قرغيزستان    1.546 زيارة تفتيشية للتجارة يوميا    بطاقات الائتمان تتصدر القروض الاستهلاكية بنمو سنوي 10.48%    %99 بلاغات الأدوية غير الخطيرة    وزير الرياضة يفتتح منافسات كأس آسيا تحت 23 عامًا 2026 "السعودية" في جدة    الأمم المتحدة ترحب بدعوة رئيس مجلس القيادة اليمني لعقد مؤتمر حوار جنوبي في المملكة    نائب أمير تبوك يطلع على التقرير السنوي لفرع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بالمنطقة    Nestle تسحب حليب الرضع    بازار طهران يشعل موجة احتجاجات غير مسبوقة    إحباط تهريب (41.000) قرص "إمفيتامين" باستخدام طائرة مسيرة في تبوك    فتح السوق المالية السعودية لجميع فئات المستثمرين الأجانب    الموافقة على مشروع قواعد وإجراءات عمل البرنامج الوطني للمعادن    أيام أحمد الربيعان    معهد الدراسات الفنية للقوات الجوية صناعة الرجال وترسيخ القيم    دعني أعتذر    الانتماء الوطني والمواطنة    جازان أرض الحضارة وحصن الوطن الجنوبي    معرض "عمارة الحرمين" يوثّق تاريخ العمارة الإسلامية    "حديقة القمر" بصبيا.. ملتقى الخبرات لتعزيز جودة الحياة وصناعة السياحة الشتوية    أمانة تبوك تنفذ أكثر من 19,500 ألف زيارة ميدانية خلال شهرين لتحسين المشهد الحضري    الأمير سعود بن نهار يستقبل مدير عام مراكز التنمية .    الخنبشي يؤكد استقرار الاوضاع في محافظة حضرموت ويستغرب تشوية الحقائق    عبدالرحمن بن عبدالله بن فيصل يستقبل الفائزين من جامعة حفر الباطن    انطلاق مسابقة المزاين بمهرجان الملك عبدالعزيز للصقور 2025    نائب أمير القصيم :القيادة الرشيدة تولي التعليم اهتماما بالغاً    جبل النور    مليون زائر يشهدون على عناية المملكة بالقرآن الكريم    واحة الأمن نموذج وطني يجمع الأمن والتنمية في مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل    بالتعاون مع هيئة محمية الإمام تركي..«الفطرية»: إطلاق 124 كائناً مهدداً بالانقراض    دشن التصفيات الأولية للمسابقة.. نائب أمير مكة: جائزة الملك سلمان نهج راسخ لدعم تحفيظ القرآن    كلكم مسؤول    القيادة تعزي ملك الأردن في وفاة رئيس الوزراء الأسبق    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تجميع معالم الهوية بعد انهيار السوفيات
نشر في الحياة يوم 17 - 10 - 2013

من ذكريات الطفولة، لافتة كبيرة على جدار كتبت عليها عبارة:"كل شيء من أجل الإنسان، كل شيء لمصلحة الإنسان". هذا الشعار السوفياتي الذي رفع في ذلك الوقت في كل مكان، بقي مجرد كلمات. لقد بدأ تراجع الاتحاد السوفياتي عندما أصبح سكانه، أولئك الناس الذين كان كل شيء يُعمل من أجلهم، يشعرون باغتراب متزايد عن دولتهم. وعندما أصبحت هذه الدولة مهددة بالزوال في عام 1991 لم ينهض أحد للدفاع عنها. كما أن الهوية السوفياتية التي بدا آنذاك أنها تشكلت بنجاح، انهارت بسرعة عندما ضعفت عرى الأيديولوجية وأمن الدولة.
في الحقيقة أن مفعول الخميرة التي بقيت منذ تلك الفترة يكفي لوقت طويل. وعلى مدى عشرين عاماً عاشت روسيا في أجواء حملت عبق الماضي لأن واقع انهيار الاتحاد السوفياتي بقي الحدث الرئيسي الذي يحدد النقاشات الاجتماعية - السياسية في روسيا. لقد نفدت تركته في المجالات الأيديولوجية والاقتصادية والتكنولوجية. ولا يخلق جدول الأعمال المرتبط بالحقبة السوفياتية وما بعد تلك الحقبة إلا جدالات عقيمة. ما العمل لاحقاً؟ على أي أساس سيجرى بناء مستقبل روسيا الجديدة؟
لا شك في أن التحدي كبير، ومن الضروري تشكيل هوية وطنية جديدة أي دعامة لكل التطور الذي يتماشى مع مقاييس متعددة. ولا تعيش أية دولة من دون أسطورة تاريخية خاصة بها ? أي الفهم التطبيقي السياسي للتاريخ. ويجب أن تكون الهوية الوطنية المستقبلية مرتبطة بماضي البلاد الذي يعود إلى آلاف السنين.
إن تاريخ روسيا غني في شكل كبير وتراجيدي، والأهم أنه تاريخ متنوع جداً. وعلى أساس التاريخ ومن دون تشويه كبير للحقيقة، يمكن وضع قراءات مختلفة لمجرياته تعطي الأمة نقاط الاستناد هذه أو تلك. ومن جهة أخرى، فإن التجذر في الماضي لا يمكن أن يتحول إلى هاجس وسعي إلى إيجاد إلهام للمستقبل. ويجب أن يستجيب الشكل الجديد لفكرة روسيا لمطالب عالم المستقبل الذي بدأت ترتسم حدوده وملامحه في الأفق.
ومن المناسب هنا، أن نتذكر ذلك الشعار السوفياتي، والغريب أنه في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين يعكس ذلك الشعار المهمة التي ينبغي على روسيا إنجازها.
تتمثل المعضلة الروسية الأبدية في التناقض بين أهداف ومطامح الدولة بصرف النظر عن طبيعة من يمثلها ملكاً كان أم لجنة مركزية لحزب حاكم أم مجموعة من الإصلاحيين من جهة، وبين سكان البلاد من جهة أخرى. إن مصالح التنمية الوطنية التي تشكلها السلطة كانت تعلو غالباً على رغبات ومطالب الفرد. وفي مراحل تاريخية ما، عمل ذلك على ضمان الانطلاقات الاجتماعية والتكنولوجية وتوسيع النفوذ الجيوسياسي وتحقيق المكانة العالمية. أما الآن، فإن مشاريع التعبئة التي تنفذها الدولة باسم الشعب لا تعطي مردوداً.
والقضية لا تكمن في التقويم الأخلاقي للنفسية التي تنظر إلى الناس كمواد استهلاكية، بل في واقع أن ذلك التقويم لا ينفع في القرن الحادي والعشرين. إن عهود"الستار الحديد"والقبضات الفولاذ قد انتهت وساهمت في هذا الأمر العولمة والانفتاح الإعلامي. فلا يمكن إرغام الإنسان بالقوة على خدمة الدولة أو حتى المجتمع. ويمكن فقط تحفيزه على الاستفادة من طاقاته وقدراته في هذا الاتجاه أو ذاك. والذي ينجح في ظروف التنافس العولمي هو ذلك الذي يستطيع توفير أفضل الظروف لتحفيز الإنسان على إظهار طاقاته والاستفادة منها. فهو ببساطة ينجح في جذب الكوادر الجيدة والقيمة إليه.
ولا يجوز أن ننسى أنه يتعين تحقيق الانطلاقة الأولى أو الاختراق الأول نحو النوعية الجديدة للدولة الروسية المعاصرة في ظروف تناقص عدد السكان. وبصرف النظر عن النجاحات التي تحققت في مجال زيادة نسبة الولادات، فإن روسيا لم تعد ذلك البلد الذي يملك طاقات بشرية غير قابلة للنفاد. ويتعين هنا زيادة كفاءة تحويل الطاقة الاجتماعية ? الحفاظ على رأس المال البشري الموجود وكذلك زيادته قدر الإمكان من خلال جذب الأفراد الضروريين لمهمات التنمية.
ما الذي يجعل رأس المال البشري هذا ضرورياً؟ الجواب يكمن في أن التنافس عليه سيكون الشكل الرئيسي للتنافس في شكل عام. إن الأمن الوطني ومصلحة الدولة يكمنان بالذات في ضمان أقصى الإمكانات للإنسان، من أجل أن يفصح عن طاقاته ويستثمرها، وفي توفير البيئة المريحة للحياة والعمل. والمعضلة الروسية المعتادة المتمثلة ب"الدولة ? الإنسان"تزول وتختفي بوقائع العولمة.
كان التسلسل الهرمي للدول في الماضي يتحدد من خلال الحروب. أما الآن، فإن النزاعات العسكرية الكبيرة تصادم الدول الكبرى مستحيلة عملياً بفضل عدد من العوامل: أولاً، وجود الأسلحة النووية التي تجعل ثمن استخدام القوة بين الدول الكبرى باهظاً جداً. إن الحرب تصبح من نصيب دول الصف الثاني، والأطراف المشاركة في مواجهات محلية، التي تؤثر في السياسة العالمية ولكنها لا تحددها. ثانياً، إن الترابط الاقتصادي المتين جداً يجعل قطع العلاقات أمراً مكلفاً وخطراً جداً. وقد تدفع الحالات الطارئة جداً إلى قطع العلاقات، ومع ذلك ربما يكون المردود معاكساً.
تبرز المنافسات الاقتصادية إلى الواجهة حيث تلعب الريادة الفكرية ? التكنولوجية الدور الرئيسي فيها. إن تشكيل النظام العالمي الجديد يتطابق مع الخطوة الدورية المقبلة للمجال التقني ? أي التحول إلى النمط التكنولوجي المقبل السادس. وسيكون أصحاب هذا النمط ? أي الناس القادرين على المساهمة في تحقيق الاختراقات الفكرية وتطوير الإنتاج من النوع والجيل الجديدين ? ثروة قيّمة فيه. وسيشتد الصراع على العقول والمواهب كما استعر التنافس في الماضي على الموارد المعدنية وهذا التنافس أيضاً لن يزول ولكنه سيتراجع في سلم الأولويات.
إن جاذبية الولايات المتحدة وأوروبا كمكان مريح للحياة والعمل ستخدم ميزاتهما التنافسية، علماً أن تلك الجاذبية لا يمكن مقارنتها، بما لدى الدول الأخرى في المستقبل المنظور - أي أنها ستبقى أقوى. ويمكن أن نتوقع تغييرات في سياسات الدول الغربية الرائدة في مجال الهجرة لتشجيع تدفق الكوادر الضرورية. وسيبقى مستوى المعيشة ونوعيته والإمكانات التي توفرها تلك البلدان للعمل والإفصاح عن الطاقات، وسيلة لامتصاص رأس المال البشري من البلدان التي تعاني من ظروف سيئة كالنزاعات السياسية وعدم الاستقرار الاقتصادي ومشاكل البيئة، وأخيراً تغير قواعد اللعبة باستمرار.
وعلى رغم أن الغرب يتمتع بالأسبقية إلا أنه"لن يستطيع النوم على أكاليل الغار". فبلدان آسيا النامية ستوفر الظروف للحفاظ على الكوادر وجذب المزيد منها. ويمكن القول إن الصين وسنغافورة، مثلاً، قد نجحتا في ذلك.
كما يصبح تشكيل الأفكار والنماذج وطرحها أو فرضها على البشرية كلها وسيلة للمنافسة الشرسة في شكل متزايد. لهذا، سيتعزز دور الطبقة الفاعلة في المجتمع ? أي أولئك الذين يستطيعون إنتاج النماذج ونقلها. وإذا لم تتمكن الدولة من إيجاد لغة مشتركة مع الجزء الأكثر تقدماً في مجتمعها، فإنها ستفقد ثقته لتضع بذلك تحت مستقبلها قنبلة موقوتة قد تنفجر ببطء أو بسرعة كبيرة. وإذا لم تستفد الدولة من الطاقات الإبداعية لمواطنيها، فإن دولاً أخرى ستستفيد من تلك الطاقات وربما تستغلها ضدها.
إن التدابير التكتيكية لوحدها لا تكفي. فتغيير أولويات الموازنة لمصلحة العلوم والتعليم والصحة، مثلاً، ضرورة ولكنها لا تغير الحال في شكل جذري. ومن الضروري هنا اتباع مسلك نوعي مغاير تجاه التنمية والتطور، مسلك يغير الموقف الروسي التقليدي من الإنسان.
ويمكن اعتبار وضع روسيا في السياق الدولي أسوأ وأفضل من الدول الأخرى في الوقت نفسه. لأنه يتعين عليها أن تتجاوز تقليدها الخاص الذي لا يتماشى كثيراً مع ما هو مطلوب اليوم. ووضع روسيا أفضل لأنها أولاً، اعتادت وتستطيع أن تعيد بناء نفسها بعد الإخفاقات. وثانياً، أنها تدخل بموضوعية إلى المرحلة الجديدة من تاريخها يتعين عليها فيها تشكيل كل شيء من جديد سواء بإرادتها أو اضطرارياً. ويجب أن تصبح العناية بالإنسان بصفته قيمة عليا للدولة، أساساً للهوية الروسية المستقبلية ليس لأسباب أخلاقية بل لاعتبارات عملية بحتة.
وفي يوم ما قد تتطابق مصالح وحاجات الدولة والإنسان في روسيا، وكلاهما - الدولة والإنسان ? في حاجة إلى بلد قوي وواثق من نفسه ومريح وملائم للحياة.
* رئيس مجلس السياسة الخارجية والدفاع في روسيا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.