من النادر أن نتوقّف عند الإصدارات الروائية الجديدة في فرنسا لمجرّد نيلها إحدى الجوائز الأدبية وما أكثرها!، والسبب هو الاعتبارات غير الأدبية المعروفة التي تتحكّم غالباً بعملية توزيع هذه الجوائز. لكن هذا لا يعني أنه، من حينٍ إلى آخر، لا يتم تتويج روايةٍ تستحق فعلاً ذلك، كما حصل هذا العام مع رواية الفرنسي برونو دو سيسول"ساعة الإغلاق في حدائق الغرب"الصادرة حديثاً لدى دار"لا ديفيرانس"والتي نالت جائزة Les Deux Magots المرموقة. فموضوعها الفلسفي العميق ومراجعها الفكرية والأدبية الغزيرة وأسلوبها الكلاسيكي الرائع وحبكتها المتينة، كل هذه الأمور تجعل منها روايةً فريدة لم نقرأ مثلها أو بمستواها منذ فترةٍ طويلة. وحين نعلم أنها رواية دو سيسول الأولى، لا يعود بوسعنا إهمالها وإن كان كاتبها ناقداً أدبياً معروفاً. بطل الرواية الأول هو شاب جامعي يدعى فيليب مونكلار يدرس في جامعة السوربون ويمضي وقته بين القراءة في المكتبة الوطنية والتدرّب على فتن النساء من دون نيّة ثابتة في مضاجعتهن، بل بهدف الكشف لهنّ عن جمال الحب العذري في اللحظة التي يتعرّين فيها ويبلغن قمة الإثارة، وهي استراتيجية حاضرة بقوة في كتابات كودرلو لاكلو وتقوم على ربط الاستسلام للغريزة الجنسية بضرورة المناورة وبذل جهدٍ في التقرّب من المرأة المرغوبة. وفي حديقة اللوكسمبورغ، يتعرّف مونكلار على عجوزٍ يدعى فريديريك ستوف بطل الرواية الثاني فيُطلق عليه اسم"ديوجين اللوكسمبورغ"نظراً إلى طبيعة شخصيته المثيرة: ابن قسّ بروتستانتي سويسري، فقد إيمانه وهو صغير ثم انتقل وهو شاب إلى باريس وانخرط في التيار الوجودي فعرف شهرةً كبيرة بفضل كتاباته، قبل أن يطرده سارتر من مجموعته ويتخلى عنه أصدقاؤه، الأمر الذي دفعه إلى الانعزال وتفضيل وضعية المفكّر المجهول الذي لا يمنح لمعاصريه أو للأجيال القادمة أي إمكانية لبلوغه. ولكن، هل أن ستوف، الذي يشبه بمواقفه وآرائه الفيلسوف ديوجين، خرج ذلك اليوم من غرفته البائسة للعثور على محاورٍ تماماً كما فعل ديوجين قبله أم أنه التقى مونكلار بالصدفة؟ المهم أنه ستقوم بين العجوز الذي يحمل إرثاً فلسفياً كبيراً والشاب الذكي والمتمرّد، علاقة متينة. وخلال نزهاتهما الطويلة في حدائق باريس ومدافنها، يحاور ستوف صديقه حول بؤس أي فعلٍ في هذا العالم وبطلان التاريخ وحكمة الفلاسفة القدماء قبل سقراط، وبإظهار انتمائه غير المشروط إلى هؤلاء:"لم أجلب لهذا العالم السطحي والجبان السلام، بل سيف الفضيحة ومنهجاً فكرياً وحياتياً لا يتوافق إلا ومناهج الفلاسفة الكلبيين cyniques قبل عشرين قرناً". وخلف تواطؤهما، يستشعر مونكلار دعوةً أخوية من شخصٍ ينتمي إلى"قبيلته". ونقول"قبيلته"لأن العبارة تستحضر متعة الصيد والغنيمة وحسّ المنافسة الذي وضعه ستوف كشرطٍ لعلاقتهما بدلاً من علاقة المعلم والتلميذ، أي"مبارزة روحية مثلما يوجد مبارزة غرامية"، كما قال العجوز له من دون أن يدري أن صديقه الشاب كان قد تعرّف الى شابة تدعى أريان في متحف اللوفر وبدأ معها علاقة تتميّز بالتحديد"بمبارزة غرامية"وتمنح الروائي الفرصة لإضافة صفحاتٍ إيروسية رائعة على روايته. وخلف موقف ستوف الكلبيّ نستشفّ أخلاقيةً خائبة تقوده تارةً إلى سخريةٍ انتقامية وتارةً أخرى إلى الشفقة، كهزئه من الفيلسوف كانط الذي لم يختبر طوال حياته لذة المضاجعة أو أي نزوةٍ أخرى، ومن الكاتب المسرحي ستريندبرغ الذي توقف عن الكتابة في الفترة الأخيرة من حياته لمصلحة العلوم الباطنية، وشفقته الأخوية على الكاتب ليون بلوا الذي يصوّره كأخٍ عدو ويمدح مهاراته الكتابية، وعلى الشاعر الكبير ليوباردي الذي نُبذ لابتعاده عن الكنيسة ومهّد إلحاده الطريق لمجيء نيتشه، وحتى على هذا الأخير الذي بعد أن يكشف إعجابه الكبير به الذي دفعه إلى قراءة كل كتبه والكتب التي وُضعت حوله وإلى زيارة المدن والقرى الأوروبية التي تنقّل وعاش فيها، يأسف لاهتمام الفيلسوف الألماني بمحيطه وبآراء أقطاب هذا المحيط به. لكن بعد مرحلة انجذابٍ قوية بسليل ديوجين وديدرو، يبدأ مونكلار بالتساؤل حول ما يخبّئه كره صديقه للبشر واحتقاره للكوميديا الاجتماعية. فمن هو ستوف تحديداً؟ مُحتقر للعدمية أم مبشّر بها؟ وتدريجاً، تتغيّر نظرة الشاب إلى العجوز الذي يظهر له أكثر فأكثر كرجلٍ تنخره الضغينة وكفيلسوفٍ ساخطٍ لوقوع تأمّلاته الفلسفية في الفراغ. وفعلاً، بفتحه لمونكلار"قصر ذاكرته"الذي يعجّ بالكتب، ألم يستسلم ستوف لتحذلقه ككاتبٍ بلا كتاب؟ وأليس هذا ما يشرح ميله إلى المنبوذين والمغلوبين، مثل سونانكور الذي مهّد بدوره الطريق إلى نيتشه، وبوويس الذي حرّر كتابه"في سلوى الفلسفة"داخل السجن وفضّل الموت كافراً؟ لدى شعوره بابتعاد صديقه عنه، لا يتردد ستوف في تذكيره بأنه من الطبيعي أن يخون التلميذ معلّمه وبأن الخيانة هي الشكل الأسمى للوفاء. وإذ بمونكلار يضع خطّة تسمح له بالتخلص من ستوف وتجبر هذا الأخير بوضع موضع التنفيذ مدحه للانتحار، ليلاحظ بعد ذلك بأن ستوف هو الذي كان يتلاعب به حتى النهاية... رواية مسارّية وفلسفية تتخذ أحياناً طابع الحوار المفتوح أو دفتر اليوميات، تكمن قوتها في صهر دو سيسول داخلها جميع هذه الأنواع. وبحجمها ومضمونها، تذكّرنا بكتاب سبنغلر"زوال الغرب"، كما لا تبتعد بمناخها الساخر والعبثي عمّا كتبه وصرّح به سيوران. واللعبة المميتة التي يستسلم لها ستوف وتلميذه في النهاية تضفي عليها أيضاً طابع الرواية البوليسية. وفي حال أضفنا لغتها الأنيقة والمشغولة بدقّة حسابية وشغفٍ كبير لفهمنا لماذا نالت هذه الرواية الجائزة المذكورة. ففي مكانٍ ما داخلها، يقول دو سيسول على لسان ستوف:"أنا المشكِّك بحضارةٍ تحتضر، الوطن الوحيد الذي أعترف به هو اللغة التي اخترتها كي أحبّ وأفهم وأجادل وأحيا وأموت".