لم تقتصر الرحلات العربية إلى أوروبا، على تلك الرحلات والسفارات المنطلقة من أراضي الخلافة العباسية في المشرق. إذ أقام الخلفاء الأمويون علاقات مستمرة مع البيزنطيين خصوم منافسيهم العباسيين، وتبادلوا الرسل والسفارات، وامتد نشاطهم هذا إلى بلاد الفرنجة، بلاد الغال، أرض فرنسا وإلى الجزر البريطانية والجزر المجاورة، وبعدما استوطنتها شعوب الشمال النورماندية المهاجرة. وتطلع الاندلسيون إلى معرفة أحوال أوروبا وأوضاعها، فأعدَّ الأمير عبدالرحمن سفارة إلى بلاد النورمان عام845 ميلادية تحت أمرة يحيى الغزال، الذي حدثنا عن حال النورمان في الفترة قبل المسيحية. وأرسل خليفة الأندلسي من قرطبة في عام 354ه-965م، إبراهيم بن يعقوب الطرطوشي في سفارة إلى أوتو في مغديبورغ، فخرج من الأندلس وسار في محاذاة المحيط الأطلسي وبحر الشمال، ماراً على بوردو وروان وأترخت، ثم عبر ثلزفيج إلى بادربورن، وسست، وفلدا إلى ماينز. وكان إبراهيم عالماً يهودياً أندلسياً أو ابناً للثقافة العربية الإسلامية، اشتغل بتجارة الرقيق، وأورد معلومات واسعة عن إمارات الصقالبة في أوروبا الوسطى، وتفاصيل وافية عن المدن الساحلية والغربية من الساحل الفرنسي والهولندي والألماني، وتحدث عن بلغاريا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا، وإمارة ناكون الأبدريني. ولم يبق من رحلته سوى شذرات عُرفت منها الأقسام الخاصة بألمانيا والصقالبة/ السلاف، وهي التي حفظها لنا البكري والقزويني والعذري. نزل عند الامبراطور أوتو ضيفاً ورسولاً في مغديبورغ فكانت رحلته الطويلة التي عبرت وسط أوروبا وشمالها، وهي التي تشكل اليوم أجزاء من بولندا وتشيخيا والسلوفاك وهنغاريا وألمانيا وأوكرانيا. ويذكر ابن العبري أن الطرطوشي قابل أيضاً ملك الروم في رومية روما عام 350ه-961م، وهو البابا يوحنا الثاني عشر 955-964. والقطعة التي أوردها البكري من رسالة الطرطوشي تصف رحلته إلى شرق أوروبا، وكيف عبر الأدرياتيكي ووصل إلى بلاد"صقالبة الغرب"، وزار براغ وشرقي ألمانيا، ووصل إلى مجدبرج حيث كان يقيم الإمبراطور أوتو، فالتقى مع أعضاء سفارة من عند ملك البلغار، ثم سار ومضى في بلاد الصقالبة حتى وصل إلى إشفارن على مقربة من البحيرة المسماة بهذا الاسم. وإذا كان من الصعوبة بمكان تتبع خط سيره على وجه الدقة، لأن أسماء الأمكنة التي أوردها محرّفة تحريفاً شديداً، إلاَّ أن المعلومات التفصيلية التي يقدمها عن بلاد الصقالبة تبقى ذات أهمية كبرى بالنسبة الى تاريخهم، وبخاصة الغربيين منهم، كما أن بعض المحققين استطاع إيجاد صلة بين الأسماء وأصحابها من المدن والأماكن، فتبين بعد المقارنة والتحقيق القيمة الحقيقية لمذكرات الطرطوشي من الناحية الجغرافية والتاريخية لتلك البلدان التي زارها. وكان من الطبيعي أن تجتذب معلومات رحلته النادرة اهتماماً خاصاً من جانب العلماء الألمان والسلاف، الذين خصصوا له أبحاثاً كثيرة ومتنوعة. وكان وصف رحلته أقرب إلى مصنفات البلدان، وكتب المسالك والممالك، فهو يذكر البلدان، ويصفها ويعدد حاصلاتها ومتاجرها، ثم يذكر الطرق ومسافاتها بالأميال، ويتخلل هذا الوصف معلومات مهمة عن الأحوال الاجتماعية والسياسية. ومعلومات نادرة عن شكل الملك والحكم والدين والعقائد والأعراق، وعادات الزواج والدفن، وبناء البيوت، والتجارة، والمحاصيل الزراعية، والطقس وتأثيره على السكان وطريقة مقاومتهم له. والصقالبة/السلاف عند الطرطوشي من أبناء ماذاي بن يافث، ومساكنهم ومستقرّاتهم"من الشمال إلى أن تتصل بالمغرب"، أي من البحر المحيط في الشمال بحر البلطيق، إلى البحر المحيط الأطلسي، وهم أجناس كثيرة مختلفة، على رغم أنهم كانوا قديماً يجتمعون تحت سلطة ملك اسمه ماخا الذي يسميه المسعودي ماجك، وهو من أرومة أو جنس يُدعى ولينانا، وهو جنس أو أرومة معظَّمة لديهم ومبجلة، ثم اختلفت كلمتهم فزال نظامهم الذي كان يوحدهم، وتخربت روابطهم، فملك كل جنس منهم ملك. فهم ينقسمون، بحسب الطرطوشي، إلى أربع ممالك، المملكة الأولى على رأسها ملك البلغاريين، وهم البلغار. ومملكة أخرى وأهم مدنها فراغة وهي براغ الحالية، وبويمة وهي بوهيمية الحالية، وهما فيما عُرف بتشكسلوفاكيا، وكركو أي كراكوف، وملكهم بويصلاو أي بولسلاف الأول 929-967م. والمملكة الثالثة وتضم بلاد الجوف، أي بلاد الشمال، وملكها مشقُه أي مسكو الأول 960-992م ملك بولندا، وتسمى هذه المملكة باسم مشقو. أما مملكة ناقون فهي في آخر الغرب من بلاد الصقالبة، ولعل تسميتها تعود إلى ناقون أو نكُّون 966م، وهو أمير القبائل الأبدرية التي سكنت شمال ألمانيا في منطقة مكلنبرغ شفارن. ثم يُلقي نظرة عامة على الصقالبة، فهم أجناس كثيرة ومختلفة، ومن أجناسهم الصبراية، ربما الصرب، ودولابه، ونامجين، ويعتبر هذا الجنس أشجع أقوام الصقالبة وأفرسهم. وهناك جنس آخر يسميه سرنين، مهابون من الصقالبة، وجنس يقال له"مِزاره"وهم المورافيون، وحيرواس وهم الكرواتيون، فضلاً عن الرصاصين، والحشيابين. والصقالبة ذوو صولة وبطش، ولولا اختلافهم بكثرة تفرُّع أعراقهم وتفرُّق أفخاذهم، ما قامت لهم في الشدة أمةٌ من الأمم". وهم يسكنون من البلدان أجزلها ريعاً وأكثرها أقواتاً"وهم مجتهدون في الفلاحة وطلب الرزق، يفوقون في ذلك جميع أمم الأرض". ويلاحظ الطرطوشي، إلى ابتكارهم طريقة خاصة للتدفئة، انهم يستحمون من شدة البرد بحمام البخار الساونا. ويِشير إلى أن بعضهم، ما زال على المجوسية، يحرقون أنفسهم بالنار إذا مات رئيسهم، كما يحرقون دوابهم"فلهم أفعال شبيهة بأفعال الهنود في الشرق. وهم يطربون عند حرق الميت، لأن ذلك - بحسب اعتقادهم - يرحم به الله الميت، فيقطع نساء الميت أيديهن ووجوههن بالسكاكين. وأخبرنا أن ملوك الصقالبة يتميزون بغيرتهم الشديدة على نسائهم، لذا فهم يحجبونهن. ويتزوج رجالهم بعشرين زوجة فصاعداً، وأن المرأة الصقالبية تحافظ على عفتها بعد الزواج، وعلى التحرر الجنسي قبل الزواج. وقدّم إبراهيم صورة أقرب إلى الوضوح عن عالم الفرنجة، وعاصمتهم بيوره باريس، ولكن كلما أوغلنا غرباً وشمالاً ازداد غموضاً، وغدت معلوماته متقطعة.