الشباب ميال للتعبير عن اختلافه وتميزه عن الأجيال السابقة، ولا يشذ المسرح عن هذه القاعدة. وفي إطار هذه اللعبة لتجاوز التجارب المكرّسة في الساحة الفنية، تولد التجارب الجديدة، وتنضج إبداعات مبتكرة، ما تفتأ تشيخ، لتنهض موجات فنية متمردة. الآن، شرع الجيل الجديد من المسرحيين المغاربة الشباب في إعمال معاول تقويض أشكال التعبير المسرحي لأسلافهم، بانتقاد أعمالهم المسرحية، الا أن بعضهم لم يتوقف عند الشكوى والتذمر من احتكار الجيل السابق للخشبة، وهم يعلمون أن ذلك لن يغيّر الوضع سريعاً، وعلى" الخشبة الجديدة"وجدوا ضالتهم، وجسدوا أفكارهم وطموحاتهم المسرحية في أول دورة لمهرجان خاص بهم يرفع شعار البديل للمواهب الشابة. واختتمت ليل أول من أمس جمعية"نلعب من أجل الفنون"الدورة الأولى لمهرجان المسرح الشبابي بمشاركة عدد من الفرق المسرحية الجديدة وطلبة مدرسة الفنون الدرامية، على أمل أن يكون مهرجان"الخشبة الجديدة"خطوة ناجحة للترويج لإبداعات المواهب المغربية الشابة في أوساط الجمهور المغربي، بيد أن هذا الجمهور هو نفسه اكبر الغائبين عن هذه التظاهرة الجديدة التي احتضنتها قاعة"با احنيني"التابعة لوزارة الثقافة في الرباط. هل هي عثرة البدايات؟ أم هو فشل التنظيم؟ وتضخيم الطموحات؟ لعلها كل هذه الأشياء مجتمعة. فلم يكن دخول قاعة العروض مكلفاً بل مجانياً، والقاعة وسط أحد أحياء المدينة الراقية التي تعج بالحركة التجارية والثقافية، ولا بد أن حجم التحدي في المستقبل بالنسبة إلى المسرح الشبابي هو في حجم جيوش الجماهير الشبابية التي تجتذبها العروض الموسيقية الكبرى والمهرجانات المحتفية بعالم الرقص والموسيقى شرقية كانت أم مغاربية أم غربية. ولا شك في أن عروضاً من روائع المسرح العالمي الكلاسيكي كالتي عرضتها"الخشبة الجديدة"، وتغلب عليها سمة الأعمال الفكرية والذهنية التي تخاطب جمهوراً على دراية بنظريات وتيارات المسرح العالمية، ولا سيّما مسرح العبث واللامعقول، بالكاد تستطيع اجتذاب جمهور محدود يتشكل أصلاً من طلبة معهد المسرح وبعض الجمعيات المهتمة بالمجال وقلة قليلة من المهتمين بالثقافة بمن فيهم الإعلام المحلي، على رغم استحضارها الموسيقى بعروض مزجت بين موسيقى الفلامينغو الإسبانية والموسيقى الشرقية. وهذا أمر طبيعي من فرق مسرحية أنجبها المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي في الرباط، وهو الوحيد الذي يلقن الطلبة النظريات العلمية للمسرح العالمي في المغرب. ولعلّ المائدة المستديرة التي ناقشت موضوع"المسرح المغربي والخشبة الجديدة"التي التأمت في اليوم الثاني للمهرجان دلتا على لحظة المخاض التي يعيشها المسرح المغربي، خصوصاً الشبابي. ما دعا الشباب إلى إخراج المسرح المغربي من الفضاءات المغلقة وجعل الساحات والأماكن العمومية مسارح مفتوحة للعروض المسرحية والفرجة، لينعتق المسرح من أسر الأسوار، ويمد عروقه في الفضاءات الرحبة للحياة. وعبّر فنان شاب عن خيبة أمله لتقفي الجمهور آثار الأعمال الفنية للأسماء والوجوه البارزة على الساحة المسرحية، وتجاهل المواهب الشابة، التي يهجر الجمهور عروضها. وعقّب عليه شاب آخر قائلاً:"نحن أهل المسرح يجب ألّا نستنزف طاقاتنا في الخطابات، بقدر ما يجب أن نستثمرها على الخشبة"، وهذا هو مصير عروض هذا المهرجان،على رغم مجانيتها. والجميل في هذه النقاشات أن الفنانين الشباب استثمروا قدراتهم الإبداعية عبرها لمسرحة مداخلاتهم، فترافقت المناقشات بتعابير جسدية، وتحولت قاعة"با احنيني"للعروض الفنية ساحة لتبادل الكلمات الممسرحة. وعلى الخشبة، قدمت فرقة"مسرح دابا"بمعنى المسرح الآن بالعامية المغربية مسرحية"شامة"التي تستحضر سنوات القمع السياسي في الستينات والسبعينات، وهي مقتبسة من مسرحية"الفتاة الشابة والموت"للكاتب الشيلي أرييل دورفمان الذي كتب عن سنوات التعذيب والقمع في أميركا اللاتينية، في قصة لقاء البطلة بعد سنوات مع جلادها، ونشوء علاقة جديدة بين الضحية والجلاد خارج زنزانة التعذيب، ممزوجة بحب الانتقام وعودة شبح الذكريات الأليمة. واعتلى الفنان المهدي بيرو وحيداً خشبة العرض، واسترسل في تجسيد نص باللغة الفرنسية لمسرحية"قذارة"لروبير شنايدر، وهو كاتب نمسوي. تدور أحداث مسرحيته في النمسا، بطلها مهاجر عراقي اسمه سعيد، ركب الأهوال، بحثاً عن وطن ينسيه مأساة العراق، لكنه وجد نفسه في وضعية المهاجر المنبوذ، فتحول حلمه إلى كابوس. واقتبست فرقة مسرحية شابة بالعامية المغربية مسرحية"فاندو وليز"، للكاتب المسرحي فرناندو أرابال الإسباني، وهي تدخل في إطار مسرح العبث. وفاندو وليز شخصان يقصدان مدينة أسطورية، لن يصلا إليها أبداً، وفي الطريق تقع لهما أحداث غامضة، وربما كانت هذه المسرحية دلالة على مسار الحياة المليئة بخيبات الأمل ومسرّات الإنجاز بالنسبة إلى البشر. واختار طلبة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي من التراث المسرحي العالمي مسرحية" ثلاث ليال مع مادوكس"للكاتب المسرحي رومان ماناي فرنسي من أصل روماني وتحكي قصة اجتماع أشخاص غرباء في المكان نفسه للقاء ب"مادوكس"، وأثناء انتظاره، تظهر التناقضات بينهم، في إطار علاقات عبثية ولا معقولة. وقدّمت جمعية"نلعب من أجل الفنون"مسرحية"أرلوكان خادم سيّدين"، لكارلو غولداني، كاتب مسرحي إيطالي من القرن الثامن عشر. ويقوم الخادم"أرلوكان"بخدمة سيّدين.