في الدفعة الأخيرة من الكتب التي صدرت في سلسلة "شعر" الشهيرة دار غاليمار انطولوجيا عن الشاعر الاسكتلندي المعاصر كينيث وايت تتضمن نخبة من أهم القصائد التي نشرها في دواوينه العشرة الأخيرة، وتُشكّل بالتالي فرصةً، لا بد من استغلالها، لإدراكه في كلّيته. وبالفعل، أوّل ما يتجلى لنا في هذه البانوراما الشاملة، هو أن وايت، أكثر من أي شاعرٍ آخر،"سكن الأرض بطريقة شعرية"ورصد قصائده للتعبير عن ذلك بطرقٍ مختلفة. ويظهر ذلك جلياً منذ ديوانه الأول"بكل براءة"1964 الذي يتقدّم فيه كأحد سكّان"العالم الأبيض"، الذي يرمز بالتأكيد إلى اسكتلندا بلد القمم البيض، ولكن خصوصاً إلى العالم غير المُرمَّز الذي يقع كبياضٍ على خريطتنا الذهنية. وطوال حياته، صقل الشاعر هذا المفهوم وشحذه واستكشفه طبقة بعد طبقة، كما تشهد عليه عناوين دواوينه اللاحقة:"ماهامودرا"1979،"الشاطئ الكبير"1980،"مشاهد من عالمٍ عائم"1983،"أرضٌ من ألماس"1983،"أطلانتيكا"1986،"ضفاف الصمت"1997،"حدود وهوامش"2000،"المعبر الخارجي"2005... لائحة طويلة يشكّل كل عنوانٌ فيها دعوةً إلى السفر خارج عالمنا المُغلَق وإلى ترك نفوسنا تتنفس وتحلم وتفكّر انطلاقاً من علاماتٍ مصدرها الكَون برمّته."فالمكان"الذي تحدّث عنه رامبو يمكن أن يكون، للشاعر وايت، في أي نقطةٍ داخل العالم. أما"الصيغة"فليست معادلة نهائية حاسمة تنحل فيها كل المسائل، بل كلمةٌ تفتح الحواس والفكر والمخيلة، أو صمتٌ، أو بياضٌ مجرّدٌ من بهرجة الفكر المتّفَق عليه ومن الأوهام الاجتماعية. المهم، في نظر الشاعر، هو تلك اللحظة التي يرتد الوعي فيها على ذاته فيتمتّع ببصيرة تلتبس مع الفراغ ببراءةٍ متوهّجة. ومن النادر العثور على أعمالٍ شعرية تظهر فيها الشحنة الفكرية بهذه البداهة، كما في قصائد وايت. ونقول"شحنة"لأن لا إطار أو بنية معينة لأفكاره بل التماع شراراتٍ تنبثق من فضاءٍ مفرَّغٍ من أي تفلسُفٍ مفرط. ولهذا يجدر التحدّث عن فكرٍ يقع ما وراء الفلسفة ويستمد مادته وطاقته من تجوال الشاعر المثير للدوّار في كل أنحاء العالم سعياً وراء طبيعةٍ فريدة ينخرط فيها ويجعل منها تجربة شخصية مثمرة. وهذا تحديداً ما يُخرج شعره من نطاقه الأدبي في اتجاه الحياة نفسها. فالجمال، بنظره، هو في العالم وفي طريقة حضورنا فيه، أكثر مما هو في الوسائل والأساليب التي يتشكّل منها الفن. ويشرح هذا الموقف التزام وايت بمقولته:"أفضل الشعر يمكن أن يُقال بلغةٍ واضحة وبسيطة". ومع ذلك، ليس من السهل ولوج أو تذوّق شعره الذي يتطلّب من القارئ درجة عالية من الصمت والاصغاء الداخلي. كَمَنْ يريد الاستماع إلى موسيقى العالم وسط ضجيج البشر. المتأمِّل كان يحب برودة حوار طيور النورس وهمس المطر على النافذة الغربية خلال الأيام الطويلة والليالي الطويلة حيث كان يتقدم في المكان الذي بقي بلا اسم على رغم الخرائط المثبّتة على الجدران وفي الأسفل مكتبة علوم بكاملها في الخارج عند نهاية ذلك الشتاء المعتم كان يرى دخاناً أزرق، مياهاً خضراء كما لم يرَ أبداً من قبل غرابٌ منهمك على غصنٍ كان يُضحكه حتى القهقهة شكلُ أصغر ورقة كان يثير روحه وعقله كان يرقص بين أنسب الكلمات. أراضي الكينونة كم من الأشكال المهملة كم"أنا"مدمَّرة كم فجر وليلة قبل أن أبلغ ذلك المكان المنوَّر والخاوي حيث عصافير بيضاء تشهد بصراخها على حضورٍ - لا يزال على شكل علامة كم حياة صُرفت من أجل تلك الشعلة فقط كم درب تم اجتيازها من أجل تلك النقطة الفريدة - الذكاء يرتجف لدى اقترابه من الكائن العاري دروب العقل الصعبة تقود إلى مثل تلك الأمكنة كل شعور قوي يقود إلى هذه الصحارى مآل الكلمات ذلك الصمت المتحرّك دائماً المشهد الميتافيزيقي ولكن أكثر فأكثر تجرّداً أكثر فأكثر وعورة حيث الواقع أكثر الأوهام بُعداً والحياة ذلك الزبد المتراقص ذلك الخط الأبيض ذلك الحد المتوهّج الذي يتقدّم ما وراء الجُمَل والمشاكل رسالة إلى خطّاطٍ عجوز مئة يوم أمضاها على السواحل الرملية والجبال مترقّباً المالك الحزين وطير الغاق ثم كتب ذلك على طرف العالم في صمتٍ أصبح طبيعة ثانية وعرف في النهاية درب الفراغ داخل الجمجمة، داخل العظام. التقديم والترجمة انطوان جوكي