اتسم رد فعل الاسواق على خطاب "حالة الاتحاد" للرئيس الاميركي جورج بوش، وقرار الاحتياط الفيديرالي المصرف المركزي الاميركي رفع سعر الفائدة، فاتراً الى حد اللامبالاة. ومع تعهد بوش بالتزام ادارته خفض العجز المالي في الموازنة الاميركية، الا ان الاسواق تتحسب لاستمرار سياسة ادارته التي قد تجعل ذلك صعباً. وتنتظر الاسواق نتائج اجتماع مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى في لندن، وما قد يسفر عنه من مؤشرات على افاق النمو الاقتصادي وضبط اسواق صرف العملات. مع ترقب أسواق الصرف العالمية اشارة واضحة من الرئيس جورج بوش تؤكد التزامه خفض عجز الموازنة، وربما تعزيز وضع الدولار الضعيف، ومع حبس أسواق المال أنفاسها قبل صدور قرار في شأن سعر الفائدة الأميركية لم يكن أول من أمس الأربعاء الذي جمع بين القاء خطاب "حالة الاتحاد" واختتام الاجتماع الأول في السنة الجديدة للجنة السوق المفتوح، التابعة لمجلس الاحتياط الفيديرالي المصرف المركزي الاميركي، يوماً عادياً. وسبق خطاب حالة الاتحاد، المناسبة السنوية المهمة التي يستخدمها الرئيس الأميركي في طرح جدول أعماله للسنة، سيل من التصريحات و"التسريبات"، تعلن أن البيت الأبيض يدرك مخاطر عجز الموازنة المالية وأثرها في ثقة الاستثمار الدولي بأميركا والدولار، وهو ما ثبت عملياً عندما أكد بوش اصرار ادارته على خفض الانفاق الحكومي وانتهاج سياسات مالية تقود، بحلول سنة 2009، الى تقليص عجز الموازنة المالية الى نصف ما كان عليه سنة 2004 413 بليون دولار. وقال بوش في الخطاب الذي ألقاه أمام جلسة مشتركة للكونغرس ان "الحفاظ على رخاء أميركا يتطلب الحد من شهية الحكومة الفيديرالية للانفاق"، مشدداً على أن موازنته للسنة المالية 2006، التي تبدأ في تشرين الأول اكتوبر المقبل وستُعلن في وقت لاحق من الشهر الجاري، ستكون متوائمة مع التزامه خفض العجز المالي، المُتوقع أن يصل الى 427 بليون دولار في موازنة السنة المالية الجارية. وتدليلاً على جديته في شأن معالجة الوضع المالي لأميركا، الذي تدهور بشكل خطير تحت ضغط العجوزات السنوية المستمرة منذ أحداث أيلول سبتمبر سنة 2001، أشار بوش الى أن موازنته للسنة المالية المقبلة ستُخفض مخصصات، أو تشطب كلياً، أكثر من 150 برنامجاً حكوميا، وستعمل على أن تكون نسبة نمو الانفاق "الاختياري" أقل من نسبة التضخم، معلناً في الوقت نفسه ترحيبه بتجاوز أعضاء الكونغرس الاعتبارات الحزبية والتحمس لضبط الانفاق. لكن محللين شككوا في امكان نجاح خطط السيطرة على عجز الموازنة، مشيرين الى أن بوش أكد عزمه على ضبط الانفاق وتقليص العجز، بيد أنه حض، وفي الفقرة نفسها من الخطاب، الكونغرس على الموافقة على منح صفة الديمومة للتخفيضات الضريبية الضخمة التي سبق أن أقرها بمبادرة من البيت الأبيض في 2001 و2003، ويجمع الاقتصاديون الأميركيون على أنها ساهمت بما لايقل عن 25 في المئة من عجوزات السنتين الماليتين 2003 و 2004. وعلاوة على دوره في تدهور الوضع المالي، ساهم عجز الموازنة وعجز الحساب الجاري في اضعاف الدولار. وفي تحليل أبرز الآثار السلبية لهذا العجز، خسر الدولار زهاء 26 في المئة من قيمته مقابل العملات الرئيسية منذ أوائل 2002، الا أن "مورغان ستانلي" أفادت أن مستويات الصرف الحالية تقل عن الأسعار الحقيقية للدولار بنسبة 19.7 في المئة مقابل اليورو، وبنسبة 17.5 في المئة مقابل المارك الألماني. واشارت في دراسة لها الى أن الدولار يمكن أن يستعيد بعض خسائره في حال اقتنعت الأسواق بجدية البيت الأبيض. وتعززت توقعات انتعاش الدولار عندما قررت لجنة السوق المفتوح، الأربعاء، وباجماع أعضائها ال13، ومنهم رئيس مجلس الاحتياط الفيديرالي آلان غيرنسبان، رفع سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة ليصل الى 2.5 في المئة. وأبرز محللون مخضرمون أهمية القرار لأسواق الصرف، ليس لأنه دفع بواحد من أهم أسعار الفائدة الى خارج نطاق التضخم للمرة الأولى منذ 4 أعوام وحسب، وانما لاعتقادهم بأن مجلس الاحتياط سيكون المصرف المركزي الوحيد المُتوقع أن ينشط بتشديد سياسته النقدية السنة الجارية. ويشكل ارتفاع أسعار الفائدة كابوساً للدول ذات المديونية العالية، وتحديداً الدول النامية التي بلغت القيمة الاجمالية لديونها الخارجية في أحدث تقرير للبنك الدولي 2.433 تريليون دولار، وكذلك الدول العربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي بلغ حجم ديونها الخارجية بنهاية سنة 2003 نحو 188 بليون دولار. ولم تر أسواق المال والصرف الاسيوية، التي استفادت من وضعها الجغرافي لتنفرد بأول رد فعل على خطاب حالة الاتحاد، لدى بوش جديداً، اذ بقيت المؤشرات الرئيسية المرصودة من نيويورك على حالها. وانعكس أكبر قدر من اللامبالاة في أسعار صرف الدولار، التي لم تحقق مكاسب أو خسائر تذكر، سواء مقابل الين الياباني أو اليورو. ولاحظ محللون بأن أسباب اللامبالاة اختلفت بين أسواق المال وأسواق الصرف، خصوصاً الأميركية. ورأوا أن حي المال رحب باعلان لجنة السوق نيتها الاستمرار في تشديد السياسة النقدية بالتدرج، والتأكيد كذلك على قناعتها بأن التضخم لايزال تحت السيطرة، وأن مخاطره لاتزيد على مخاطر تباطؤ نمو الاقتصاد الأميركي، لكنه لم يفاجأ بالقرار. ولفتوا الى أن أسواق الصرف ربما تكون فضّلت انتظار صدور نتائج الاجتماع المقبل لمجموعة الدول الصناعية الكبرى، ومدى فاعليتها في دعم أسعار صرف الدولار. وأظهر المحللون والاقتصاديون، مع ذلك، شبه اجماع على أن استمرار مجلس الاحتياط في تشديد سياسته النقدية بخطوات تدرجية سيرفع سعر الفائدة الأميركية الى 4.25 في المئة في ختام اجتماعها الثامن والأخير للسنة الجارية، ما من شأنه أن يوفر للدولار حافزاً تفتقده غالبية العملات الرئيسية الأخرى، لاسيما في حال أثبتت ادارة بوش جديتها في معالجة الوضع المالي. ووجد هذا الاحتمال أكبر تأييد لدى كبير الاقتصاديين في "ستاندرد آند بورز" ديفيد ويس، الذي توقع أن يحرص غرينسبان على انجاز مهمته كاملة قبل تنحيه عن منصبه مطلع العام المقبل.