يُستدل من تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة في القاهرة أن محاولات تبذل لرسم ضوء في نهاية النفق بالنسبة إلى التعاون السوري مع لجنة التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لذلك أشار كوفي أنان إلى أن"العقوبات ستقتصر على المتورطين"، وانها ستكون"ذكية ومحددة"في حال تعاون سورية مع التحقيق. ويبدو أن هذا التطمين هو ما رغبت القاهرة في أن تسمعه، ويبقى أن يكون كلام أنان معبراً فعلاً عما سيكون، وأن يكون معبراً خصوصاً عن مواقف الولاياتالمتحدة وفرنسا فضلاً عن بريطانيا. وفي هذه الحال، يمكن أن نتوقع تعاوناً كاملاً وسريعاً، كأن لا تعتبر دمشق مثول ضباطها أمام لجنة التحقيق في مقرها في"مونتي فردي"، أي في لبنان، عقبة معنوية. وهذا لن يمنع مطالبة سورية بأن يكون هناك"اطار عمل"أو"مذكرة تفاهم"بين لجنتي التحقيق السورية والدولية. ومع ذلك ستبقى نقاط صعبة ينبغي أن تتجاوزها دمشق في الأيام المقبلة لئلا يمضي الوقت ويحلّ منتصف كانون الأول ديسمبر من دون أن يشعر ديتليف ميليس أن تحقيقه معطّل أو معرّقل. من تلك النقاط مثلاً أين ستنفذ التوقيفات والاعتقالات اذا بدت ضرورية، واستطراداً أين ستجرى المحاكمة متى اكتمل التحقيق. مبدئياً تبدو"المحكمة الدولية"غير عملية وغير متاحة بل غير مرغوب فيها، وإلا لكانت الأطراف الدولية توصلت الى تصور أولي بشأنها لدى صياغة القرار 1636، فهذا القرار انطلق عملياً من أن التحقيق - وفقاً لتقرير ميليس - أعطى مؤشرات قوية إلى تقدمه. كما اعتبر أن تعاون سورية سيمكن التحقيق من التوصل الى الحقيقة، وإلا فإنها ستواجه عقوبات يتيحها الفصل السابع من ميثاق الأممالمتحدة، ما يعني بوضوح أن الأطراف الدولية باتت مقتنعة بوجود تورط سوري مباشر في الاغتيال وإلا لما كان التهديد بالعقوبات. وعندما يبدي المندوب الأميركي في الأممالمتحدة تفضيلاً لمحاكمة أمام القضاء اللبناني، فإنه من جهته يركز الضغوط على سورية ويكثفها، لكنه من جهة أخرى يفتح الباب أمام خروج أكثر سرعة من الأزمة، ثم أن هذا الموقف الأميركي لا يستبعد مثلاً احتمال اللجوء إلى صيغة محكمة مختلطة، لبنانية دولية، أو أي صيغة أخرى. لا شك أن دمشق ترغب في إنهاء سريع للأزمة، وطالما أنها لعبت ورقة"البراءة مئة في المئة"واستهلكتها ولم تستفد منها، فلا بد أن تغير الآن طريقة تعاملها مع التحقيق. وهو ما باشرته فعلاً عبر المنفذ القضائي. إلا أنها لم تعط بعد أي اشارة إلى كونها حسمت الموضوع سياسياً في الداخل، وهو المحك الرئيسي والحساس في هذه الأزمة، إذ كيف سيستطيع النظام تسليم رجالاته الأمنيين الأساسيين للتحقيق والمحافظة على تماسكه في آن. لعله يستطيع ذلك في حال واحدة فقط: أن يكون دخل في نقاش عميق توصل فيه الى حتمية"التضحيات"المطلوبة منه. على افتراض أن هذا النقاش قد حصل، فإنه يحتاج طبعاً إلى ما يواكبه من تسهيلات خارجية. هنا يبدو أن الدور المصري كان حاسماً، خصوصاً أن القاهرة اهتمت بدورها في التأكد من هدف الضغط الدولي وهل يرمي الى إسقاط النظام أم يريد الاكتفاء بالتحقيق في الاغتيال. في المقابل ساهمت القاهرة في طرح المسألة بفجاجتها أمام السوريين: إما التضحية بالاشخاص أياً كانوا، وإما التضحية بالدولة والنظام... وقد ترك الخيار للسوريين أنفسهم. وعلى رغم أن الولاياتالمتحدة وفرنسا لم تجهرا بالسعي إلى إسقاط النظام السوري، ولو رغبتا في ذلك، إلا أنهما خشيتا دائماً"حالاً عراقية"جديدة تترقبها جماعات التطرف بلهفة. ولعل الأميركيين والفرنسيين التقوا عند هذه النقطة مع العرب المحذرين من أي بؤرة عدم استقرار أخرى في المنطقة. وهكذا تقاطعت المخاوف من المجهول لتؤمن للنظام السوري نوعاً من الضمان لاستمراره إذا كانت لديه قدرة على التماسك وعدم الانهيار في حال امتثل للتحقيق ومتطلباته ومترتباته. هذا يشكل صفقة أقل من طموحات دمشق إلا أنها الخيار الوحيد المتاح. ويبقى أن تواصل إسرائيل عدم تدخلها في الأزمة لئلا تفسد كل شيء. الأمر يتوقف هنا على الأميركيين.