تواجه الحكومة الجزائرية مع بداية العام الدراسي تحديات عدة أبرزها توفير مقاعد لما يزيد على 700 ألف تلميذ جديد سيلتحقون بالمدارس للمرة الأولى في حياتهم ما سيرفع عدد التلاميذ في المراحل الدراسية الإبتدائية والمتوسطة والثانوية إلى نحو 8 ملايين تلميذ. علماً أن عدد المعلمين يصل خلال الموسم الجديد إلى 341 ألف أستاذ يُدرسون في المراحل التعليمية الثلاث. وتراهن غالبية العائلات على إنجاح هذه العملية من خلال الوقوف في الأيام الأولى على حسن اندماج التلاميذ الصغار مع المحيط المدرسي وإبعاد كل الضغوط العائلية. ويفضل التلاميذ الجدد وغالبيتهم في سن السادسة من العمر تأكيد رغبتهم في تحدي المحيط الجديد والنجاح في الدراسة من خلال اقتناء أفخم المحفظات والأدوات المدرسية المصنوعة في الخارج قصد ترك الانطباع بوجود رغبة كبيرة في التعلم. ويعبر ارتداء بعض التلاميذ الجدد مآزر جميلة منذ اليوم الأول عن رغبتهم في الاندماج بسرعة مع المحيط المدرسي وبالتالي التخلي شيئاً فشيئاً عن الحياة العائلية لمصلحة عائلة جديدة يبرز فيها المعلم والمعلمة كأهل وأصدقاء. ووصف التلميذ عبد القادر م. هذه المشاعر: "سأدخل المدرسة وسأصبح رجلاً. سأدرس لأكون قائد طائرة وأحصل على أموال كثيرة"، وأشار إلى أن المدرسة "شيء جميل نتعلم فيها ما ينفعنا". ولخص وضعه الجديد بالتأكيد على أن "المدرسة هي عائلة جديدة تساعدنا في المستقبل". وقال أحد أولياء التلاميذ ان غالبية أبنائه استطاعوا الاندماج مع المحيط المدرسي الجديد لأنه عمل على تهيئتهم لهذا الجو خلال الصيف الذي يسبق الموسم التعليمي إذ بادر منذ البداية إلى اقتناء الأدوات المدرسية والملابس الجديدة لتشجيعهم على دخول الجو الجديد. أما أصعب الحالات التي تطرح في المدارس الجزائرية منذ سنوات فهي لتلاميذ فقدوا كامل أفراد عائلتهم بسبب أحداث العنف في مناطق الضواحي القريبة من العاصمة مثل الرايس بن طلحة وسيدي حامد حيث اغتيل في هذه الأحياء أكثر من 1200 شخص في ثلاث مجازر فقط. فغالبية هؤلاء التلاميذ لا يجدون الحنان العائلي الأول الذي يرافق التحاقهم بمقاعد التعليم خصوصاً أن زملاءهم من التلاميذ يحظون خلال الأسبوع الأول بمساندة أحد أقاربهم أمام مدخل المدرسة. خصوصاً في ولايات تندرج ضمن ما يسمى ب "مثلث الموت" مثل الشلف، عين الدفلى والمدية. وبالنسبة الى تلاميذ الطور الثانوي الذين يقدر عددهم بأكثر من 1.2 مليون تلميذ فإن دخول الموسم الجديد يمثل بالنسبة لمن هم في السنة الثالثة نهاية حلقة مهمة من حياتهم إذ يتحول إقبالهم على تحضير امتحانات الباكالوريا إلى هاجس مستمر يلازمهم خلال الموسم الدراسي ما يعكر في الكثير من الأحيان صفو السنوات التعليمية السابقة. وغالبية هؤلاء التلاميذ يلجأون منذ بداية الموسم إلى التجمع في مجموعات صغير بحسب التقارب في مستوى التعليم وعمق الصداقة من أجل التحضير معاً لامتحانات الباكالوريا، في حين يبدأ آخرون ممن رسبوا في هذا الامتحان العام السابق في وضع برنامج أقل ضغطاً لمراجعة المواد الأساسية. التلميذ نافع مازاري يعمل خلال الموسم الجديد لتأكيد تفوقه ويعتبر أن ما حدث له من فشل خلال العام الماضي "كان سحابة صيف لأن سجلي في المدرسة يؤكد تفوقي". ويلاحظ أن غالبية التلاميذ المتخرجين الى الجامعة يرفضون الدراسة في الأقسام الخاصة وهي الأقسام التي تضم طلبة فشلوا في امتحانات العام السابق وهذا لتجنب تكرار ما حدث لهم أو لكسب حرية أكبر في طرح الأسئلة والتفاعل مع الأساتذة. وإن كان الكثير من التلاميذ يبحثون عن الوجهة الجديدة مع اختيار التخصص المقبل في الجامعة، فإن آخرين لا يترددون خلال الموسم في البحث عن مستقبل جديد إما بالتخلي نهائياً عن التعليم أو البحث عن منصب في معاهد ومراكز التكوين المهني التي عادة ما تفتح أبوابها للتلاميذ الذين يخفقون في الحصول على شهادة الباكالوريا. وتعكس هذه المرحلة نهاية فترة مهمة للتلاميذ حيث يواجه الكثر منهم الحياة الاجتماعية بمشكلاتها مباشرة بعد الإخفاق في هذه الامتحانات. وتعرف الأحياء الراقية في العاصمة منذ سنتين مشكلة اكتظاظ في المراحل التعليمية الابتدائية بسبب عدم وفرة مدارس وقاعات تعليمية جديدة في هذه المناطق التي يصل فيها عدد التلاميذ في كل صف ابتدائي إلى نحو 52 تلميذاً، في حين لم يعد يتجاوز هذا العدد ال30 تلميذاً في الأحياء الشعبية التي كانت رمز الاكتظاظ في السابق قبل أن تنجح الحكومة في فتح مدارس جديدة. ولغاية الساعة لا يزال التعليم الابتدائي والثانوي متأثراً بالضغط الكبير الذي تمارسه الجماعات الإسلامية المسلحة التي عمدت منذ تصاعد أعمال العنف في الجزائر سنة 1992 إلى حرق مئات المدارس وتخريبها لكونها تقدم "تكويناً غير شرعي". واغتيل العديد من الأساتذة وخصوصاً الذين يدرسون اللغات الأجنبية وصدرت في حقهم فتاوى في عهد الأمير الأسبق للجماعة جمال زيتوني المدعو أبو عبد الرحمان أمين. وتأثر الكثر من التلاميذ بموجة النزوح الجماعي للسكان التي شملت أكثر من 500 ألف جزائري غادروا المناطق الريفية والأحياء النائية باتجاه التجمعات السكنية الكبرى ما اضطر بعض العائلات إلى وقف تعليم أبنائها حتى لا يذهبون ضحية تصفية جسدية خصوصاً أن بعض العائلات النازحة تلقت تهديدات بالقتل. ومنذ سنوات أصبحت قوات الأمن تتولى تأمين الدخول الى المدارس وحراسة مختلف المرافق التعليمية والتي تستغل عادة لتنفيذ الاعتداءات المسلحة بسبب العدد الكبير من الأشخاص الذين يرافقون أبناءهم في بداية كل موسم جديد. غير أن المشكلات الأساسية التي تواجه اليوم التعليم في الجزائر مرتبطة بطرفين أساسيين، الأول يخص العائلات التي تجد صعوبة في توفير مستلزمات تعليم أبنائها على رغم المساعدة السنوية التي أصبحت تمنحها الحكومة منذ عامين للعائلات المحدودة الدخل بداية كل موسم والتي تقدر ب2000 دينار جزائري لكل تلميذ أي ما يعادل 18 دولاراً أميركياً، وهو المبلغ الذي لا يكفي لتوفير ربع مستلزمات الدخول. وتفضل بعض العائلات الاحتفاظ بالكتاب نفسه لكل أبنائها مما يعني أن الابن الأصغر قد يضطر إلى التعلم في كتاب رث وقديم. والطرف الثاني هو الأساتذة إذ لا تزال أجورهم محدودة لا تتجاوز 15000 دينار جزائري لأحسنهم أي ما يعادل 120 دولاراً أميركياً وهو المبلغ الذي لا يوفر أدنى مستلزمات الحياة العادية ما يفسر الإضرابات المستمرة التي قد تستأنف مجدداً خلال الأسبوع المقبل. علماً أن الحكومة رصدت خلال السنة الجارية مبلغ بليون دولار لإدارة موازنة القطاع ما جعله يمثل المرتبة الأولى من حجم النفقات أي أكثر من موازنة وزارة الدفاع الوطني وهذا يحصل للمرة الأولى منذ تصاعد أعمال العنف. وعلى رغم لجوء الحكومة إلى استحداث 4000 منصب عمل جديد إلا أن مشكلة الأساتذة المستخلفين أو المتعاقدين الذين يقدر عددهم بالآلاف لم تسو بعد مما يطرح الكثير من المتاعب لأن هؤلاء ادمجوا في قطاع التعليم خلال السنوات الصعبة أمنياً وحتى الآن لا تزال وزارة التربية تعاملهم كمجرد متعاونين ما دفعهم إلى الإضراب والاحتجاج.