تمثل مصر لغزاً لمن يراها من بعيد، فكيف هي في عيون الذين يعيشون فيها؟!. واقتراب حازم صاغية من محاولة تفسير اللغز "الحياة" 29/7 لم يكن فيه ما يشفي غليل القارئ الذي يحب مصر ويريد أن يفهم ما يجري فيها. وهذه محاولة أخرى مني، فلأجعلها حاشية على محاولة صاغية، اذا اضيفت اليها قد تعين الحائر وتضع أمامه بعض المفاتيح. وبداية فإنني أتابع ما يكتبه حازم صاغية وأجد في أسلوبه رشاقة وحسن بيان قارن بوضّاح شرارة، وأكبر فيه أخلاصه للنموذج الغربي الليبرالي التحديثي التغريبي بشدة يحسد عليها، حتى يظهر كأنه يدافع عن مصالح الغرب قبل مصالح العرب والمسلمين. وأحسده على قدرته الفائقة على خلط الأوراق ومزج السم بالدسم، فعداؤه لإيران لا تخفف منه التطورات السياسية هناك، بل يقحمها في مقاله كنموذج سيئ للأداء السياسي الداخلي. بينما يقول البعض وأنا منهم، إن مقارنة الانتخابات المصرية بالانتخابات الايرانية ظلم كبير لايران التي تشهد حيوية سياسية وفكرية وثقافية عالية النبرة. بينما في مصر نشهد، كما يقول صاغية نفسه، تراجعاً شديداً في هذه المجالات. وصلت محاولة صاغية للتفسير الى أمور عدة من بداية المقال تشرح لنا لغز مصر، أوجزها في الآتي من دون إخلال: - شعور طاغٍ عند المصريين بأن الآخرين يتآمرون عليها. - إحساس متضخم بفقدان أو تراجع الدور المصري في اقليمها والعالم. - تكلس شديد في الحياة السياسية. - فقدان الفعالية في المجتمع المدني المصري على رغم كثرة الضجيج المصاحب. وقبل أن أتناول هذه التفسيرات التي اتفق مع بعضها واختلف مع الآخر، وأفهم البعض منها بطريقة مختلفة نظراً الى طول المعايشة مع مجمل الأوضاع وتفاصيلها في مصر لمدة تصل الى 30 عاماً هي زهرة شبابي انظر كيف اعتبر صاغية ان غياب الشباب عن الفعل السياسي أحد المشاكل المعضلة في مصر. أودّ في البداية أن أضيف الآتي: - إن رؤية الآخر لمصر مع اهميتها الكبيرة لأنها رؤية بانورامية شاملة لكل الصورة تقريباً إلا أنها تبقى قاصرة، إن لم تكملها رؤية أخرى معايشة. - إن الآخر البعيد - حتى ولو اقترب - فإنه يجمع رؤيته مع الإعلام المنحاز في الغالب ولذلك نلاحظ التضخيم الكبير لبعض القضايا التي لا تمثل روح مصر ولا سياساتها ولا حضارتها ولا تدخل في اهتمامات القوى السياسية الفاعلة فيها، ليس إلا لأنها تحظى بتغطية إعلامية كبيرة على مذهب الراحل مصطفى أمين أن الخبر المثير هو الجدير بالنشر في الصفحات الاولى والتغطية الاعلامية الكبيرة كمثال: أن رجلاً عضّ كلباً. لذلك حظيت قضايا مثل: رفع دعاوى حسبة لتفريق اسرتين بسبب طلب الحكم بارتداد أحد الأطراف عن الإسلام، باهتمام بالغ في الغرب الذي نقل عنه صاغية اهتماماته، بينما لم ينشغل في مصر أحد: لا من الإخوان المسلمين او حتى الجماعات الاسلامية التي انشغلت بالعمل المسلح ضد النظام الحاكم أو أي قوة سياسية اخرى سلباً أو ايجاباً، وبقيت محصورة في نطاق الأسرة المعنية وعدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ضدهم. فلدينا 250 ألف محام تقريباً لا ينشغل منهم بهذه القضايا إلا عدد ضئيل للغاية لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ولدينا مئات الألوف من الوعاظ المتدينين والدعاة والأئمة لا يُعرف عن أحد منهم الخوض في هذه المجالات إلا عدد لا يتجاوز أصابع اليدين فقط. وصدرت تشريعات محل جدل دستوري تحد من هذه الظاهرة التي لا تحل مشكلة فكرية بحال من الأحوال. - إن لغز مصر قديم قدم الزمان، حاول البعض فك شفرته، فنجح شامبليون في فهم اللغة القديمة ولم ينجح الكثيرون في فهم اللغز لأنهم بعيدون عن الأحداث أو لم تصلهم المعلومات الصحيحة. إن فكرة المؤامرة تروق لمن يريد أن ينفض يده من المسؤولية في صنع الأحداث او تحمل مسؤولية جديدة لعلاج الآثار السلبية، ويريد أن يستسلم للواقع ويبرره ويتعايش معه من دون تغيير. لذا فأنا لست من أنصارها على طول الخط. لكني راجعتُ موقفي لأنني لا أجد تفسيراً لحدث، إلا بالرجوع الى فكرة المؤامرة والتآمر، ولكن بشيء من التصحيح، فما نتصوره مؤامرة وما أعتقد أنه تآمر بليل يُبيّت لنا، هو في نظر الطرف الآخر: مصالح تحتاج الى حماية، ومنشور ومعلن وليس سراً مغلقاً أو طلسماً، بل يتهموننا بأننا لا نقرأ ولا نستوعب الدروس، وإلا يا سيدي بم نفسر التصريحات التي صدرت خلال العقدين الماضيين وفي أعقاب الثورة الايرانية حول الخطر الإسلامي، وكيف نفهم ان تنفق الاستخبارات الاميركية وغيرها عشرات الملايين من الدولارات لعقد ندوات وشراء أفلام ونشر أفلام لدراسة الخطر الإسلامي والتحذير منه. ومما شجعني على إعادة النظر في موقفي من رفض المؤامرة ما قرأته أخيراً لعدد ممن احترم عقولهم مهما اختلفت معهم، ومنهم يونان لبيب رزق الذي كتب في مجلة "المصور" يُراجع ايضاً موقفه من فكرة المؤامرة في التاريخ في تعقيبه على أحداث فتنة الراهب. إذاً فليفسر لنا أعداء فكرة التآمر - علماً أن هاجس المؤامرة يشغل في الغالب بال الحكام وقادة الأجهزة، والقاعدين عن العمل، اما الناشطون والفاعلون في الساحة فهم ينشغلون بالمواجهة والفعل أو على الأقل رد الفعل وأعتقد أنني في هذا المربع الأخير الذي يواجه ولا ينسحب. هناك تآمر على مصر من قديم، لكنه يأخذ صوراً متعددة وواجهات مختلفة، واذا أحسنا فهم فكرة المؤامرة، فإن هذا التآمر يجب ألا يقعدنا عن العمل، لأننا نحن الذين نعطي المتآمرين الفرصة تلو الأخرى للنيل من أوطاننا. وإذا أحسنا بعد ذلك التعامل لمواجهة المصالح المضادة أو المؤامرات، فإننا قد نستفيد منها في شحذ الهمم ورسم الخطط مع الحذر من فرض القيود على الحريات بحجة أنه لا مكان لأعوان المتأمرين أو الطابور الخامس. واذا انتقلنا الى الدور المصري، فإنني أسلم مع صاغية بأن هناك إحساساً داخل الدوائر الحاكمة بفقدان الدور أو على الأقل الفاعلية او القدرة على الأداء، وأن ذلك كله يسبب ارتباكاً شديداً في رسم الاستراتيجيات وتحقيق التحالفات. فنحن نقدم رِجلاً ونؤخر أخرى على رغم وضوح الأعداء ووجود الاصدقاء. إن دور مصر لا ينكره أحد، إلا أن الدور لا بد من قدرات لصناعته، ولا بد من مبادرات لتحقيقه، ولا بد من رؤية واضحة لحدوده، ثم في النهاية لا بد من أعباء لمن يريد ان يقوم بدور ما، وكذلك لا بد من نموذج ومثال وقدوة نقدمها للآخرين. وهذا ما فعلته مصر على مدار التاريخ: مصر صلاح الدين، ومصر قطز، ومصر محمد علي حتى مصر في العصر الحديث. اما الآن فنحن نريد من الآخرين أن يرسموا لنا حدود الدور الذي نقوم به، ثم نطلب الدعم الكامل حتى نستطيع أن نؤدي دورنا، ثم ويا للأسف الشديد نطالب بالثمن المقابل لما أديناه من دور وتحملناه من أعباء ولا نكتفي بهذا، بل يقوم البعض منا ممن لم يكن له دور بالمن على أشقاء وأصدقاء. الحقيقة نحن ندافع عن مصالحنا، بل نحمي أمننا ونحافظ على وجودنا. إن قسوة الدولة المركزية القديمة في مصر والدور الخطير الذي تقوم به البيروقراطية المصرية العتيدة والقبضة الهائلة للأجهزة في مصر وشيوع فكرة المؤامرة الداخلية القادمة من الداخل وليس من الخارج الذي استسلمنا لسياساته ورضينا بها، كل ذلك أدى الى ضمور دور المجتمع المدني الذي يخضع لغاية من التشريعات المكبلة لنشاطه، ثم يخضع لمراقبة شديدة ترسم له الخطوط التي لا يجوز أن يتجاوزها. ولا مانع بعد ذلك كله ان يخضع للمحاكمات العسكرية التي تسلط سيف القهر على أعناق من يتخطى الخطوط الحمر بل حتى الصفر احياناً. انظر مثال: محاكمات النقابيين العشرين من "الإخوان المسلمين" بسبب نشاطهم النقابي وسط صمت صاغية وأنصار المجتمع المدني، علماً أنه صدرت ضدهم أحكام من 5 الى 3 سنوات أشغالاً شاقة، ثم وصل السيف الى رقاب أمثال سعد الدين إبراهيم فسجن 7 سنوات لأنه لم يلتزم الأمر العسكري الذي يحظر جمع التبرعات إلا بعد موافقة وزارة الشؤون الاجتماعية التي لم ترد على نقابة اطباء مصر ولجنة الاغاثة الانسانية منذ صدور الأمر العسكري، بل جمدت حوالى 5 ملايين جنيه ثم صوتنا للموافقة على تحويلها الى شعب فلسطين والسلطة الفلسطينية ولا جواب. مع كل ذلك فإن المجتمع الأهلي في مصر ناشط وفعّال بعيداً من اضواء الإعلام التي لا تركّز إلا على بضع جمعيات تتلقى دعماً غربياً مادياً ومعنوياً وتعمل في حقول لا تشغل بال المصريين. * نائب سابق عن "الإخوان المسلمين" في البرلمان المصري.