قبيل ظهور فيلم "ايام السادات"، أطلّ بطله احمد زكي أمام جَمعٍ راقٍ من النخبة، في حفل افتتاحه، محدداً وموجّهاً الطريقة التي يجب اعتمادها لقراءة الفيلم. ونالَ، هو ومن بدوا وكأنهم فريقه، أرفع الجوائز من أجله. ثم سطعتْ صورته، فصِرتَ تراها أينما جلتَ بنظرك في شوارع القاهرة، أو على صفحات جرائدها... والآن يحتل "فيلمه" كل صالات العرض القاهرية، ويتصدّر المبيعات، والارجح ايضا انه سوف يسجّل النسب الأعلى قياساً بالافلام الاخرى. يظهر في الفيلم احمد زكي معدّلاً ملامحه، مقترباً في شكله من شكل السادات، وذلك من سنوات نضجه الاولى حتى آخر حياته ومقتله على يد عسكريين من الجماعة الاسلامية. وباستثناء مشهدين او ثلاثة من الطفولة، تمر أمامنا حياة السادات ابتداء من حماسته للحركة الوطنية المصرية ودخوله الى السجن، وتعرّفه الى جيهان وزواجه منها، حتى انضمامه الى "الضباط الاحرار" ومرافقته مختلف مراحل حكمهم، وعلاقته بعبد الناصر، ثم هزيمة 1967 ووفاة جمال، وصعوده الى الرئاسة، وحرب 1973 وزيارته لإسرائيل وتوقيعه اتفاقية كامب ديفيد... نص الفيلم هشّ ومفكّك، أصلح للاسكتْشات منه الى سيرة حياة. استطاع مخرجه محمد خان، ومصوّره طارق التلمساني، ان يحولاه الى فيلم بالمعنى التقني للكلمة. وهذا بالتأكيد يعود الى موهبتهما ومؤهلاتهما المهنية العالية. لكنهما لم يتمكنا من الافلات به بعيدا وتحويله الى فيلم مقنع. إذ بدا السادات من خلاله أشبه بهيكل في عالم كرتوني، أبطاله الآخرون ذوو تعبيرات اوتوماتيكية وعصبية، ومحسومة سلفا. لذلك كان الفيلم طويلا ومملا، أحيتْه قليلا ضحكات من الجمهور عندما كان يُطالبُه بالتواطؤ وتصديق ما ليس قادرا على تصديقه: مثل ذاك المشهد الذي يعلن فيه عبد الناصر للسادات أنه سوف يعيّنه نائبا له، فيخفض السادات رأسه تعفّفا، ويعبّر عن زهده بالمنصب، فيصرّ عليه عبد الناصر، فيقبل اخيرا السادات مضحّيا بازدرائه كل سلطة. ولم تكن مشكلة الجمهور مع هذا المشهد ان السادات تصرّف هكذا، بل ان الفيلم يريده ان يصدق أن تصرف السادات على هذا النحو يعني فعلا ترفّعه عن المناصب. على هذه الوتيرة تقريبا انتظم معظم مشاهد "أيام السادات"، فطلع علينا متحلّيا بكل الملَكات اللازمة: الاقدام والتفاني والحيلة والرؤية والبطولة والحكمة... وإن شابته شائبة، كعدم البوح بما يجول في عقله، فدائماً حفاظاً على مصلحة عليا. لقد بدا "قدوة" لمن يريد ان يقتدي. والفيلم لا يخفي تحيّزه للسادات. منذ بدايته يعلم المشاهد ان نصه مقتبس من السيرتين الذاتيتين لبطله "البحث عن الذات"، ولزوجته جيهان "امرأة من مصر". هذا وفي العديد من المقابلات يردد مخرجه محمد خان ان الفيلم منحاز، مضيفا ان السيدة جيهان، صاحبة احدى السيرتين الذاتيتين المعتمدتين كما سبقت الاشارة، تدخلت في كثير من اللقَطات، حاذفة او معدّلة. ولا شك ان الاعلان الواضح عن الانحياز يخفف من وطأة النقد، او بعضه المتوقع، أي النقد السياسي. لكن هذا لا يعفي المضمون من النقد: فهناك انحياز وانحياز: انحياز كالذي انعقد لمصلحة السادات في الفيلم فقير وكسول وعقيم. لذلك كان الرد عليه اشبه بالدحض منه بالنقاش: الغالبية احضرت الوقائع والوثائق التي تقول غير ما قاله الفيلم، وكفى. وهذا النوع من مناهضة الانحياز وليد ذاك النوع من الانحياز. انه ينشّط الذاكرة، لكنه لا ينشّط الذهن... ناهيك عن المخيّلة. بالتأكيد ، كان في ود محمد خان واحمد زكي ان ينتجا فيلما على قدر مختلف من التحيّز، يعتمد فوق السيرتين الذاتيتين على مجموعة من الكتابات المؤيدة للسادات، ما دامت نيّة الانحياز قائمة أصلاً. كان يمكنهما ان يطلعا بفيلم متحيز. نعم . لكنْ تحيزاً مثرياً، يطلق نقاشا مثمرا ولا يكتفي بإيقاظ الذاكرة، وتنشيط الخلافات. ما الذي حالَ دون تحقيق ذلك؟ انه تجربة ما سبقهم من افلام لشخصيات عامة، يحتكر ذاكرتَها ورَثَتُها: عبد الناصر وعبد الحكيم عامر واسمهان. كلهم شخصيات لم يكن ممكنا الكتابة عنهم بحرية، بسبب اختلاط العائلي بالسياسي وتدخّل الابناء او الزوجات او ابناء الاخ في صياغة الصورة الدرامية عنهم. واذا اضفتَ الى تدخل العائلة في السياسة والفن، كمية المحاذير الاخرى المتعلقة بالحساسيات والمحرمات والمواقف الرسمية او الشعبية، يمكنك فهم لجوء الرجلين الى اسرع الطرق في صياغة الصورة بالاعتماد على الكتابين ومؤلفة واحد منهما. فلا دعاوى ولا انذارت ولا مشاحنات ولا رقابة. هكذا كانت الثمرة نصاً سطحياً ومفتعلا كان له ابلغ الاثر في أداء بطله احمد زكي. واحمد زكي هو، بعد السياسة، الموضوع الثاني الذي يصعب تجنّب الكلام عنه لدى تناول الفيلم: فافتقار النص الى التلاوين الدرامية لم يسمح لاحمد زكي ، كما هي عادته في افلام سابقة، ان يدخل أياً من الاعماق النفسية: لم تكن لديه لا القدرة ولا الصلاحية. لذلك كان أداؤه اقرب الى التقليد منه الى التمثيل. اقرب الى المشخّصاتي، خصوصا في حركة فكّه الاسفل، التي كلما اشتدت بالغت، فبدت غير حقيقية، عصبية، تعوزها القدرة على الاقناع. او في مشيته قبل تبوئه سدة الرئاسة، فكأنه موعود بها منذ عصور... فتأتي الموسيقى المهيبة لتنقذ المصداقية، فيرتاح المشاهد قليلاً. لماذا اختار احمد زكي هذا الخيار؟ ثم، لماذا لم تتابع منى زكي لعب دور جيهان السادات، خاصة وانها برعت في تمثيل ايام شبابها، وكان يمكن اعانتها بالمكياج الناجح، وبالقدر نفسه الذي تمتّع به احمد زكي، من اجل تمثيل مرحلة النضج؟ لماذا استُبدِلت بميرفت امين التي لم تفلح في لعب دور جيهان الناضجة؟ ولماذا لم يظهر عبد الناصر إلا من قفاه، باهتاً صارماً وثقيل الظل... لا تشي انحناءات ظهره ولا ضيق اكتافه بالكاريزما التي عُرِف بها؟ التساؤلات تلحّ عليك، وغيرها كثير، عند تأمل هذا الفيلم. قد تجد بعض الجواب عنها في القوانين الناظمة للنجومية: فالنجم الذي يضعف شعاعه لا يجد حلا في غير نجوم آخرين يستمد منهم ما باتَ ينقصه. ذلك انه يتصور النجومية مثل رأس المال، إن لم يكبر يصغر... أما اذا كان لا بد من حصر النطق باسم هؤلاء العظماء النجوم بورَثتهم، فلا بأس. المهم ان يبلغ الفنان المرتبة التي يرغب فيها من النجومية، ولو على حساب الموهبة - موهبته وموهبة الآخرين من الممثلين: فالنجومية غير رحبة، دائما لا تحتمل المزيد، لا في الشخصية الخيالية الفيلم ولا في الواقعية اي الحياة: فلو ظهر عبد الناصر، مجسَّدا بأي من الفنانين، وجهاً لوجه امام السادات على الشاشة، فسوف يكون على المخرج حل معضلة هذا اللقاء: وذلك إما بأن يبدو عبد الناصر ومن يمثله على قدر من الامّحاء امام احمد زكي السادات، وهذا ما لا يستطيع القائمون على الفيلم تجريبه، اذ يجافون بذلك المشاهد الوثائقية نفسها التي اوردوها حول عبد الناصر. وإما بأن يبدو عبد الناصر أكثر تألقا من السادات، فتسقط نجومية احمد زكي امام كاريزما عبد الناصر التاريخية. وبالمنطق نفسه تقريبا حُكِمَ على منى زكي: فلو استمرت في لعب دور جيهان السادات، وبالفرص نفسها التي اعطيت لاحمد زكي، اي بالماكياج، لكانت نافسته قليلا على الاقل. فسرقت ضوءا من نجمه، يرى نفسه أولى به. هكذا عَرف احمد زكي ان يحافظ على نجوميته، على حساب الفن الحقيقي والابداع. ليس هناك ما يفرح في مسار احمد زكي، ولا ما يوحي بسُبُل فنية تعطي الممثلين الشبان أملاً لأيام كهولتهم. ممثل موهوب وعدَ بالابداع، وها هو غير قادر على الاستمرار إلا نجما... ألا يذكّر هذا المسار بنجوم آخرين، في ميادين اخرى من انتاج المعاني؟