يرغب محمد شحرور في كتابه الصادر حديثاً "نحو اصول جديدة للفقه الاسلامي" والمختص بفقه المرأة كما يشي بذلك عنوان كتابه الفرعي، يرغب في تأسيس اصول جديدة للفقه لينشأ بعد ذلك على هذه الاصول فقه جديد في قضايا الوصية والإرث والقوامة والتعددية واللباس وهو بذلك يعيد كتابه فقه المرأة من لباسها الى ميراثها. يفتتح شحرور كتابه بمدخل اشبه بالمفاهيمي، إذ يميّز بين الكينونة والصيرورة والسيرورة، ويحدد تعريفاً جديداً للسنّة النبوية متحدثاً عن خصائصها كالعصمة والحكمة والأسوة الحسنة وما يتعلق بأحاديث الغيبيات التي أثرت عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. بعد ذلك يذكر الأسس الجديدة التي يجب ان يرتكز اليها الفقه الاسلامي من الاشكالية الاجتماعية الدينية الى الاشكالية السياسية والاشكالية اللغوية. ويدخل في امور الوصية والإرث والتعددية الزوجية والصداق والميثاق. فمفهوم القوامة واللباس وزينة المرأة ومحارمها يعيد تأسيس فقه جديد معاصر للمرأة يتناسب مع دورها الأنثوي ومع كينونتها وخصوصيتها كأم وزوجة وبنت. وهذا الاعتبار يجعله في النهاية يدخل في جدال حاد مع ما قدمه الفقهاء الأسبقون للتشهير بما قاموا به، والذي ينتهي في النهاية الى فهم مغلق للمرأة ودورها في المجتمع من دون ان يستعرض آراء هؤلاء الفقهاء او حججهم، إذ يعتبر انه كتب كتابه السابق الذكر من دون العودة الى اي كتاب فقهي وهو ما يفتخر به ويذكّر به باستمرار! إلا ان المفارقات التي تحكم تفكير شحرور وتوقعه في تناقضات يبدو أنه لا يعيها تجعل التجديد الذي يقوم به تجديفاً وآراء وشذرات لا ينظمها ناظم او ضابط. وتبقى آلية التجديد او منهجيته غائبة تماماً عنه. اذ هو يرفض بداية رفضاً تاماً وقاطعاً ما يسمى بعلم اسباب النزول معتبراً ان هذا العلم جرى تلفيقه من اجل احتكار معنى معيّن للنص. وهذا ما جعل النص في النهاية بمثابة الناطق الايديولوجي باسم سبب النزول الذي اصبح هو الذي يفسر النص ويكشف معانيه ويسبر اغواره. لكنه وفي نهاية الكتاب وعندما يتحدث عن حجاب المرأة يلجأ الى تبرير ذلك تحت ما يسمى بتاريخية النص التي تبرز الوضع البيئي والاجتماعي للنص، وأننا ما زلنا محكومين بعادات وتقاليد العرب في زمنهم الغابر، وأن النص لا يفرض علينا ذلك، لذلك فهو يقرأ النص وفق تاريخيته على رغم انه رفض علم تاريخ النص او ما يعرف بأسباب النزول. وهذا يكشف مدى استسهاله لقراءة النص القرآني وغياب اي بعد منهجي في قراءة النص، اذ يوظف ما رفضه مسبقاً. ثم يدخل في معادلات رياضية فلكية من اجل اقناعنا بأن الأنثى هي الوحدة الاساسية التي يقاس الإرث عليها وليس العكس. فتارة تأخذ ضعف الرجل وتارة تساويه وأخرى نادرة تنقص عنه. مما يوقعنا في جدل باستمرار في كون قاعدته لا تنطبق إلا على مثاله الذي ذكره، واستحضار مثال آخر ينفي قاعدته ويخطئها. يضاف الى هذا ان مدخله الذي ارتآه للتجديد يكشف عن عدم مقدرته على الإلمام بالمنظومة العامة للدين الاسلامي وكيفية انبثاق فروعه من أصوله وآليات الاجتهاد الكامنة فيه. فتتبع مسار التجديد كان يكشف باستمرار ان اصول الدين وأصول الفقه تمثلان القواعد او المنهج الذي بهما تتم قراءة الدين الاسلامي. وعلى التجديد ان ينطلق منهما بحجم كونهما الخزان المعرفي اذا صح التعبير الذي تتفرع منه كل الأنهر، على مستوى الفقه بكل تفرعاته العبادية والمعاملات والأحكام القضائية وغير ذلك، كما على مستوى العقيدة الذي يمثل الناظم الذي به تقاس كل الاحكام التعبدية. مهما يكن فرهان التجديد عليه ان ينطلق حتماً من الاصول. اذ دخوله في الجدل الفقهي لن يجدي نفعاً. وتبقى محاولة شحرور إلغاء فقه لإحلال جديد آخر محله اكثر اضطراباً وهي محاولة تتأرجح باستمرار بين الفشل وعدم الادراك، مما يمكن إحالته الى عدم المعرفة. ويبدو هذا واضحاً في خلو الكتاب من اي مناقشة علمية لأحد قواعد الاصول او حتى فروعها او الى استسهال التجديد وطلبه من دون بذل الجهد. على رغم ان الاجتهاد هو الكلمة الرديفة للتجديد وتعرف بأنها بذل الجهد، وهو لذلك يمثل مبدأ الحركة في الاسلام كما اطلق عليه محمد إقبال في كتابه "تجديد الفكر الديني في الاسلام". وعلى رغم انحيازي الى رغبة شحرور في ضرورة القيام بمشروع تجديدي يلحظ تطورات العصر ويأخذها في الاعتبار، إلا انني اجد مشروعه لا ينهض بعبء ما يود حمله. فالباحث عليه التحلي بالرويّة والاتزان قبل دخول معترك الساحة الفقهية الأشبه بحقل ألغام. ولذلك وجدنا الألغام تنفجر باستمرار في وجه شحرور عندما يسقط في افخاخ اللغة العربية ومفرداتها او تفسير الآيات القرآنية وبيانها. وعلى رغم ان كتابه الأول أثار موجة عاصفة من النقد تراوحت بين التشهير والتأييد إلا انه لم يحاول إعادة النظر في الكثير مما بدأه ولو أنه ادعى ذلك في بداية كتابه. ذلك ان مخالفيه ناقشوه في كثير من القضايا اللغوية والفقهية والأصولية، وكان عليه ان يتعامل معهم بحوار جدي من دون ان يتناساهم او يتجاهلهم جميعاً متهماً إياهم باستمرار بأنهم دعاة الانغلاق والتشبث بالتراث، الى آخر هذه التهم التي يحسن اهل الانفتاح كيلها لأهل الانغلاق.