في ذلك الزمن كان من عادة رسامي الشمال الأوروبي ان "يحجوا" الى روما، موئل الفن النهضوي، وأم الفنون، قبل أن يتملكوا الأفكار الانسانية ويجعلوا من فنونهم أعمالاً تعبر عن الانسان وقد صار مركز الحياة الدنيا، على الأقل. لكن المفكرين والفلاسفة لم يكن من شأنهم أن يسلكوا ذلك الطريق، لأن روما على رغم تقدمها الفني، كانت محافظة في نظرتها الفكرية، بسبب كونها مركزاً للبابوية حتى ولو كان هناك بين الحين والآخر باباوات من النهضويين المتنورين لولا وجودهم لما سهل على رفائيل وأصحابه سلوك دوربهم الفنية الجديدة. من هنا كان ايرازموس الهولندي فريد نوعه في الرحلة التي قام بها الى ايطاليا سعياً وراء تنوير وعقلنة كانا بدآ يعتملان في ذهنه قبل ذلك، ولا سيما في انكلترا، التي زارها ذات مرحلة لكي يحاضر في جامعتيها العريقتين أوكسفورد وكامبردج، وارتبط هنا بصداقة مع غلاة المتنورين الانسانيين ولا سيما توماس مور. وضع ايرازموس كتباً كثيرة، غير ان كتابه الأكثر حضوراً حتى يومنا هذا، انما هو "في مدح الجنون"، ذلك الكتاب الغريب، الذي على رغم ما فيه من سخرية لاذعة وتفكك في الفصول والمواضيع، وعلى رغم عنوانه الاستفزازي، كان ولا يزال يعتبر واحداً من أبرز كتب عصر النهضة والنزعة الانسانية، تلك النزعة التي كان ايرازموس في تلك الأزمات خير معبر عنها. يقول برتراند راسل ان فكرة الكتاب واتت ايرازموس بينما كان يعبر جبال الآلب قادماً من ايطاليا بعد أن أقام فيها فترة اكتسب خلالها جزءاً كبيراً من نزعته الفكرية الاستقلالية. كان ذلك في العام 1509. وفي الطريق اكتفى ايرازموس بتدوين بعض الملاحظات. ثم ما إن عبر هولندا وقصد لندن ثانية حين أقام في بيت صديقه توماس مور، حتى انكب على وضع الكتاب وأنجزه خلال فترة قياسية. واللافت ان ايرازموس اختار ان يروى ما في الكتاب على لسان الجنون. فالجنون هو من يتحدث هنا، ويعبر عن حاجة البشرية اليه، وعن أهميته. الجنون في هذا الكتاب، يشمل جوانب الحياة الانسانية كافة، ولا يفلت من يده أي انسان أو مهنة أو أية طبقة. ومن الواضح أن ايرازموس ينطلق في نصه كله من مشهد له دور اساس في الكتاب: ان هناك يوم الحشر، حمقى يقفون امام المحكمة الكبرى "ليتفاخر أحدهم كيف أمات شهوته الجسدية بأكله السمك فقط. وآخر يلح على أنه أمضى سنوات حياته كلها لا يفعل شيئاً غير انشاد المزامير، وثالث يقول انه طوال أعوامه الستين لم يلمس قطعة نقود واحدة إلا حين كان يلبس قفازات سميكة". هنا أمام حماقة هؤلاء كلهم، وفي ذلك المشهد نفسه يتدخل السيد المسيح صارخاً بهم: "ويل لكم كتاباً ومرائين... لقد تركت لكم وصية واحدة، أن يحب أحدكم الآخر، ولم أسمع أياً منكم يدافع عن نفسه مؤكداً أنه نفذ هذه الوصية بصدق وإخلاص". بالنسبة الى ايرازموس، وكما يعبر في كتابه الأساس هذا: الايمان الحقيقي ينبع من الروح والقلب، لا من العقل... ولعل أهمية كتاب ايرازموس الأساسية تكمن في أنه كان أول تعبير أدبي عن تلك النزعة التي ستظهر بوضوح أكثر وأكثر لدى التأليف من الكتاب والفلاسفة، وفي مقدمهم سبينوزا ثم جان - جاك روسو. تعمد ايرازموس أن يجعل كتاب "في مدح الجنون" نصاً أدبياً، لا بحثاً فلسفياً، حتى وإن كان من الصعب تصور انه اعطاه ذلك الشكل لكي يحقق له انتشاراً جماهيرياً واسعاً. فمثل هذا الأمر لم يكن وارداً في ذلك الحين. ومن هنا يمكن اعتبار كتابة ايرازموس ذلك النص كقطعة أدبية نوعاً من "التقية" خصوصاً أنه جعله في الوقت نفسه أشبه بتمرين في الأسلوب، وملأه باستشهادات وفقرات مستقاة من هوراس وارستوفان وأوفيد وسيسرون. ومن الواضح ان اطلاع ايرازموس على الأدبين الاغريقي والروماني خلال اقامته في ايطاليا، هو الذي مكنه من أن يميل في نصه الى كل هؤلاء المؤلفين، هو الذي سيبدأ منذ ذلك الحين الدعوة الحارة الى تدريس اللاتينية، ولكن أيضاً اليونانية في مدارس انكلترا، وتعريف الطلاب بالفلسفة الهيلنستية. ولد ديزيديريوس ايرازموس في هولندا العام 1466، وتوفي في سويسرا بعد ذلك بسبعين عاماً. وهو بدأ حياته الدراسية بالتحول الى مبدأ القديس أوغسطين وصار راهباً على ذلك المذهب. بعد ذلك توجه الى باريس حيث تلقى دراسة علمانية وبدأ يقف ضد الجمود السكولاستيكي في دراسة اللاهوت، ما جعله على احتكاك مباشر بجماعة الانسانيين النهضويين الذين سرعان ما صار بارزاً بينهم. وفي ذلك الحين العام الأخير من القرن الخامس عشر توجه الى انكلترا في اقامة أولى، ثم توجه الى ايطاليا وعاد مرة أخرى الى انكلترا مدرِّساً ومحاضراً، وآلى على نفسه أن يقرأ الكتاب المقدس بتعمق ففعل، ليجد أن هذا الكتاب يقوده دائماً الى الانسان. والى علاقة مثلى بين المؤمن وربه من دون وسطاء. وذلكم هو الموضوع الأساس ل"في مدح الجنون".