إذا أخذنا المجتمع المصري، على سبيل المثال، وحاولنا أن نرى أين هو المكان الذي عبر عنه، ورسم صورة متكاملة له، بتناقضاته وصراعاته وضروب تطوره، بل أيضاً بطلعاته ونزلاته، فسيكون الجواب البديهي: السينما. فالحقيقة الأولى، في هذا المجال، تقول لنا إن مئات الأفلام التي صورت في مصر على مدى ثلاثة أرباع القرن تقريباً، عرفت، بغثها وثمينها، بما فيها من جد أو هزل، وبكل ما فيها من ضروب واقعية أو ما يشبه الواقعية، كيف ترسم صورة متكاملة لذلك المجتمع. أما الحقيقة الثانية، والتي لا تقل عن الأولى أهمية، فتقول لنا، وبكل وضوح، إن هذه الأفلام، وفي القسم الأكبر منها على أي حال، لم تكتف بأن ترسم صورة للمجتمع المصري، بل إنها أكثر من هذا، اشتغلت على الذهنيات خالقة للمتفرجين ما يمكن تسميته ب"الطبيعة الثانية". وهي الطبيعة نفسها التي ما لبثت أن أصبحت، في أحيان كثيرة، طبيعة أولى ترسم تأصل الشخصية الاجتماعية، ليس في مصر وحدها، بل وفي العالم العربي كله، بمعنى أن السينما والأغنية أيضاً، ولكن غالباً عبر ارتباطها بالسينما أثرت أكثر من أي عنصر آخر، في تشكيل جزء كبير من الأخلاقيات الاجتماعية لدى عشرات الملايين ودائماً من دون ان يدرك هؤلاء ذلك. ولسنا في حاجة هنا، بالطبع، الى تعداد العناصر التي يتشكل منها اكتساب الوعي الاجتماعي من طريق مشاهدة الأفلام. يمكننا فقط أن نقول إن المجتمعات العربية، عموماً، ما كان يمكنها أن تكون، ذهنياً وعاطفياً، على التطور الذي تعيشه الآن، وعاشته خلال العقود الأخيرة من السنين، لولا التأثير المباشر الذي كان لفن السينما ثم للتلفزة بتنوع ما تبثه، ولا سيما منه السينما نفسها. بعض الناس يرى في ذلك التأثير شراً، لكن البعض الآخر - ويشكل، في اعتقادنا، الكثرة الواعية - يرى أنه كان تطوراً طبيعياً يدل إلى دخولنا العصر وخروجنا من عصور الظلمات. إلا أن المسألة التي تعنينا هنا، ليست في هذا المضمار. ما يعنينا هنا، مصير تلك الشرائط. ألوف الشرائط التي يتلف منها التراث السينمائي المصري وهو تراث عربي بامتياز، وبالتالي يتألف منها جزء أساس من الذاكرة العربية، ذاكرة الوعي العربي. فهذه الشرائط اذا كان يمكنها أن توجد، مادياً، فإن وجودها يكون عبر "أصولها"، أي النسخ السالبة النيغاتيف التي يمكن انطلاقاً منها انتاج النسخ الموجبة الصالحة للعرض، والتي يمكن - وهذا هو الأهم - الاشتغال عليها لتحديثها وإعادة تأهيلها إذا ما فسدت مع مرور الزمن. من ناحية مبدئية، هذه النسخ السالبة، تكون ملكاً للمنتجين الذين أنفقوا على الفيلم واستغلوه تجارياً، والذين لولا استثمارهم المادي فيه لما كان. وحق الملكية هذا يجب أن يكون، من باب أولى، مقدساً. ولكن من ناحية ثانية، لأن هذه الشرائط تصبح مع مرور الوقت جزءاً من الذاكرة العامة، تصبح بالتالي جزءاً من التراث الوطني. والتراث الوطني يجب عدم التفريط به في أي حال من الأحوال. وكذلك ينبغي عدم اهماله. والذي حدث حتى الآن، وعلى الأقل استناداً الى السجالات القائمة الآن في مصر، هو أن أصحاب تلك الشرائط، يميلون الآن الى بيعها لمن يدفع الثمن، ولاسيما منها تلك الشرائط التي كانت نسيت في المستودعات عقوداً وعقوداً، حتى أهلكها الزمن والاهمال وتلف الكثير منها. وهذا الواقع يضعنا، مباشرة، أمام المحظورين اللذين يهددان هذه الذاكرة الجماعية: الاهمال القاتل من جهة، والتفريط الفوضوي من جهة ثانية. إن هذا ما يشغل بال السينمائيين الآن، وخصوصاً في غياب تشريعات واضحة تأخذ المصلحة الوطنية في حسبانها. وخوف السينمائيين، في هذا الاطار، مشروع. فإذا كان من حق أصحاب الأفلام أن "يتخلصوا" منها، خصوصاً حيث باتت تشكل عبئاً عليهم، فأين السلطات الثقافية من هذا كله؟ ما هو موقفها؟ في بلاد الله المتحضرة، قد لا يكون من مهمات الدولة أن تشتري الأماكن والأشياء التراثية لكي تنقذها، ولكن من مهماتها - وبكل تأكيد - أن توجد تشريعات تحد من حرية التصرف بها، وربما أيضاً تشريعات تمنع من يشتريها - حتى وإن اعترفت بحقه في الشراء - من التصرف بها على هواه، فتمنعه أولاً من اخراج ذلك الجزء من التراث بعيداً من أرض الوطن، وثانياً من إحداث أي تبديل أو تحويل فيه، إلا بعد حصوله على إذن يوقعه خبراء ومؤرخون يدرسون وضعه والامكانات المتاحة لذلك. وفي اعتقادنا أن ما ينطبق على ممتلكات متاحف الفن، وعلى الأبنية التراثية، يجب أن ينطبق هنا على أصول الأفلام ونسخها السالبة، فهي - وربما أكثر من أي مادة أخرى - جزء أساس من وعي المجتمع وذاكرته... جزء ينبغي عدم التفريط فيه.. وبالتالي عدم اهماله أبداً.