خلفت التفجيرات النووية الباكستانية عاصفة سياسية من العيار الثقيل، وبعد حوالى أسبوع على تلك الواقعة لا تزال الاثارة التي ترافقها على القدر ذاته من القوة. عناصر الملف النووي الباكستاني وقبله الهندي كثيرة الا ان احدها ربما انطوى على قدر اقرب الى القصص البوليسية، وهو يتصل بعبدالقادر خان، ابي القنبلة النووية الباكستانية. فهذا العالم المستغرق في العلوم النووية منذ اربعين عاماً، عرّض نفسه للمهالك والسجون من اجل ان تحوز بلاده على القنبلة الاكثر دماراً على وجه الأرض، لموازنة الخطر النووي الهندي. الدكتور عبدالقادر خان 62 عاماً يتحدر من مدينة بهوبال وهو الآن مدير البرنامج النووي الباكستاني. لكنه كان قد سرق عام 1974 اسرار القنبلة النووية وهرب بها الى بلاده. وكان خان، قبل انهاء دراسته للمعادن ما بين 1963 و1967، في جامعة دلفت قرب لاهاي يعمل في احد أهم المشاريع النووية الأوروبية في هولندا كمهندس موقت في شركة "يورينكو" المتعهدة تطوير الدراسات والتصاميم النووية لصالح الدول الأوروبية. في 1972 عاد عبدالقادر خان الى هولندا وتزوج من مواطنة هولندية، كما نجح في الحصول على عمل في شركة "يو. سي. ان" الشريك المحلي ليورينكو، كمهندس مختص في مختبراتها في مدينة ألميلو، شمالي هولندا. وهذا المختبر كانت تجرى فيه وقتها عملية تطوير حساسة للغاية في مجال استبدال التقنيات القديمة للطرد المركزي، وهي العملية الجوهرية في تخصيب اليورانيوم. وإذ نجح خان في اكتساب ثقة مؤسسته فقد سلمته الشركة التصاميم الكاملة للمفاعل الاكثر حداثة ليترجمها لصالح الألمان، ومن تلك التصاميم انطلق المشروع النووي الباكستاني. وتشير الوثائق الهولندية والاميركية الى ان سرقة خان لم تقتصر على تلك التصاميم التفصيلية فقط، بل انه اخذ معه الى بلاده جميع عناوين الشركات المعنية بالعمليات النووية والمواصفات التجارية للقطع والمكونات اللازمة لإنتاج القنبلة. واضطر الهولنديون تحت ضغط الفضيحة الى تقديم خان الى محكمة الدولة في امستردام فحكمت عليه بالسجن اربع سنوات غيابياً. ولكن مساعي خان لم تتوقف عند هذا الحد، حيث ان الحصول على التصاميم وحدها لا يعني بالضرورة امكانية انتاج القنبلة الذرية، ولذا فقد ارسل اكرام الحق خان، احد مساعديه الى المانيا لاستكمال المهمة ومتابعة برنامج سري للتزود بما عجزت باكستان عن الحصول عليه من الدول الصديقة. وكان اكرام الحق وصل الى المانيا في 1977، اي بعد عام فقط على هرب عبدالقادر من هولندا حيث اختار قرية واتشبيرغ بيج جنوبي بون ليستقر فيها ويؤسس شركات وهمية عدة تعمل كواجهة للتسوق النووي. وتشير وثيقة اميركية صادرة عن وزارة الخارجية عام 1983 الى ان باكستان لم تفلح، على رغم المساعدة السخية من الصين، في بناء المفاعلات اللازمة لتحقيق الطرد المركزي او الحصول على المادة الكيماوية الخام لليورانيوم او ما يعرف بپ"هيكسافلوريد"، لأن التقنية الصينية كانت متخلفة بالقياس الى التصاميم التي حصل عليها عبدالقادر خان. وهذا بالضبط ما نجح اكرام الحق خان في الحصول عليه وتأمين المعدات اللازمة للتعامل معه من الشركات الألمانية. أما التقارير الاميركية فتعتقد ان العراق تتبع خطوات الباكستانيين ونجح في الحصول على الخامات النووية من المصدر نفسه في ما بعد. وتصف المصادر الأوروبية عمل اكرام الحق بأنه حاسم اذ كان عليه شراء قطعة بعد اخرى من مجمل المفاعل المناسب لتخصيب اليورانيوم وإرساله الى باكستان من خلال وكالات وشركات نقل انشأها بنفسه تقوم بمهمة واحدة فقط قبل ان تتلاشى. وتعتبر المصادر الأوروبية الطريقة التي وصلت فيها باكستان الى القنبلة جديدة على دول العالم الثالث وبعض الدول الغنية التي كانت حاولت بأي ثمن شراء قنبلة جاهزة الصنع، او السعي الى بنائها على أيد غير محلية، من دون ان تتوافر القاعدة العلمية والبنى الضرورية لإدامتها وتطويرها. وتشير المصادر، اكثر من ذلك، الى ان باكستان التي توجهت ببطء، انما بثبات مضطرد نحو انشاء قاعدة دائمة للصناعة النووية، ادارت ظهرها لعروض مالية مغرية تقدمت بها دول عديدة لمشاركتها الثمار الجاهزة للمشروع النووي. غير ان تعاونها مع الصين كان اساسياً في المقابل، وهو تعاون ارتكز على تبادل المنافع بين شريكين متساويين. وعلى أية حال فإن عبدالقادر خان واصل اتصالاته مع الشركات الهولندية للحصول على التقنيات الاكثر حداثة، ولكن الجانب الهولندي اغلق عليه الأبواب القليلة. ونشرت الصحافة الهولندية اواخر الثمانينات رسائل كتبها عبدالقادر خان لتقنيين وعلماء مختصين للحصول منهم على معلومات جديدة او لكسبهم الى المشروع النووي الباكستاني. لكن محاولته الاكثر حيوية بعد تأسيس البرنامج النووي كانت النجاح في اقناع عدد من الخبراء النوويين الباكستانيين في الخارج بالعودة الى البلاد للمساهمة في البرنامج. وانجاز عبدالقادر، بعد كل حساب، هو انه جعل بلاده قادرة على اللحاق بالبرنامج الهندي المماثل والانتظار سنوات قبل الاعلان عن القنبلة التي لم يكن امتلاك باكستان لها سراً