أثارت مقالة الاستاذ حازم صاغية في صفحة "الرأي" في "الحياة" العدد 12757 والموسومة "عراق ما بعد صدام" جملة من التعليقات وردود الفعل من كتّاب جلّهم عراقيون وأقلهم غير ذلك، ومرد تلك التعليقات وردات الفعل ما ورد في المقالة حول "ضرورة حقن دماء العراقيين ورفض المقدسات في السياسة ورفض حرب أخرى عنوانها تجديد الوحدة العراقية". في الواقع أصاب الاستاذ صاغية كبد الحقيقية المُرة التي يرفض البعض قبولها او رؤيتها مع الأسف، والأنكى ان قوة وكثافة ردود الفعل على مقالته خلقت مناخاً لاديموقراطياً وجواً غير صحي ومخيفاً بالنسبة للرأي الآخر، بحيث جعل من يفكر غير ذلك يتردد ويحجم ويخشى طرح رأيه. والدليل اننا لم نرَ لحد الآن لم أرَ أنا على الأقل مقالة واحدة تحمل رأياً موازياً لرأي الاستاذ صاغية على رغم جديته وأهميته واحتماليته العالية. وذلك خشية ان يتعرض صاحب الرأي المخالف الى الاتهامات التقليدية الجاهزة عميل، صهيوني، انفصالي، حاقد، شعوبي الخ. ومن الضروري هنا ان أبيّن أني لست عميلاً لأحد ولا لأية جهة، بل حتى اني لم انتم الى أي حزب سياسي وكل اهتماماتي السياسية نَبَعت من كوني كردياً تعرض قومه الى القمع والابادة لمدة تزيد على نصف قرن، وأرجو ان يطمئن من يخالفني الرأي الى ان ما يلي يعبر عن آرائي الشخصية فقط. ان المقالات التي كتبت تعقيباً على مقالة الاستاذ صاغية تشدد جميعها على وحدة العراق ووحدة شعب العراق وكأنها تذكرنا بالشعارات التي كانت، وما يزال، يرددها نظام صدام. خذ مثلاً "وحدة العراقيين أقوى من اختلافاتهم"، و"عناصر وحدة العراق أقوى من مخططات التقسيم"، و"سنة وشيعة وأكراد ولكنهم عراقيون"… الخ. ولطالما ردد صدام شعارات مماثلة لتلك الشعارات، بل تجاوز ذلك حين قال مرة ان "لا مانع لدينا ان تكون الحكومة كلها من الأكراد" فيما كان يدمر قرى الأكراد ويرميهم بالقنابل الكيماوية. وكان يدّعي ان معظم قياديي حزبه من الشيعة وهو يحبس انفاس الشيعة، بل حتى يمنعهم من أداء واجباتهم الدينية. أقول ذلك لكي أصل الى ان بعض العراقيين، مع الأسف، يحاول ان يقفز من على حقيقة الاختلافات الاثنية والمذهبية والدينية بين أبناء الشعب العراقي وكأنه بذلك قد حل المشكلة وانتهى. وهؤلاء البعض اما انهم يجهلون واقع الشعب العراقي او يتجاهلونه. فجميع قطاعات الشعب العراقي نالت نصيبها من القهر والظلم والتمييز والاستهانة بالكرامات على مدى الثلاثين سنة الماضية، بل حتى قبل ذلك، وأصبحت هذه القطاعات مشحونة بمشاعر متباينة من أسى وحقد وكراهية هناك حاجة الى تفريغها يوماً ما. لا أريد ان أتحدث عما عاناه الأكراد من مآسٍ وكوارث خلال السنوات الماضية، فذلك معلوم للجميع، ولكن لنتحدث عن مواقف المجموعات والأحزاب العراقية تجاه بعضها. فالتنكيل والاغتيالات كانت من العمليات الروتينية بين القوميين والشيوعيين والبعثيين وآخرين مما لا نريد الدخول في تفاصيله، ومؤخراً بين الأكراد انفسهم. فهل كل هذا سيمحى بقدرة قادر بعد زوال صدام؟ ان الذين يستبعدون احتمال الحرب الأهلية هم الذين لم يعيشوا العراق. فالذي يتصور ان نسيج الوحدة العراقية أقوى مما نتصور يقع في وهم كبير وخداع للنفس عظيم.