أوضح المساعد السابق للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية السعودي عبدالعزيز الركبان أن المشكلة التي يعاني منها الصوماليون حالياً هي من صنع بعض الدول الكبرى، التي تحاول أن تنتقم من الشعب الصومالي على مواقف سابقة، مؤكداً أن السعودية أنقذت بتبرعها الأخير الوضع، وهذا ما شكر عليه بان كي مون خادم الحرمين، مشيداً بالموقف الإنساني الشهم من مملكة الإنسانية، ويستنكر الركبان في حواره مع «الحياة» عدم قيام دول العالم حتى الآن بموقف يُحسب لها بأن تأتي بحل نهائي للقضية عبر آليات كاملة تساعد الصوماليين، ومن يقطنون في تلك المناطق على العيش بسلام، وسط منطقة يُجمع فيها بين الحر والمرض وأتون الحروب». ويضيف: «أصبحت الميليشيات المسلحة تحاول أن تُحرِّم وتُحلّل هذه المعونة التي تأتي ممن يعتبرون «كافرين»، وسط معمعة فتاوى الدم التي تأتي من ميليشيات تسير بالدولارات التي لا تعلم كنهها ولا مصدرها، فيما يحاول هذا الوافد – على رأيهم - أن يعالج أو أن يطعم أطفالهم الذين نحتهم الجوع وأصبحوا جلداً على عظم، بعد أن فقدوا كل طعام، وقبلها الأمن والأمان، في ظل مجتمع دولي قد يكون التصنيف الائتماني لدول ما أهم له من أن يعالج مأساة تتفاقم كل ثانية، وهنا نص الحوار: أنت لك تجربة في المجال الإنساني، لماذا تتكرر حالات الجفاف في القرن الأفريقي كل سنتين تقريباً؟ - لأننا نعطيهم السمكة ولا نعلمهم كيفية اصطيادها، بمعنى أنه حتى في هذه العملية لو لاحظت الكل يتكلم عن مساعدات إنسانية وغذائية ودوائية قصيرة المدى، لكن في اجتماعهم الأخير في روما بالأمس حاولوا أن يطبقوا خطة كاملة بعيدة المدى للقرن الأفريقي بكلفة بليون ونصف تقريباً يجمعونها خلال سنة، وطلبوا 300 مليون عاجلة - المملكة مشكورة قدمت 60 مليوناً منها الآن تقريباً- لإنهاء دائم لمشكلة القرن الأفريقي، وأنا أعتقد ان القرن الأفريقي يعاني من جفاف شبه دائم، ويجب إيجاد حل أبدي. المفترض ألا يكون هناك جفاف وسط الثروات الكبيرة في المنطقة؟ - هناك حلقة مفقودة في الصومال كما تحدثت في السابق، ويبدو أن هناك دولاً كبرى تقوم بالانتقام من الصومال بالذات لأنه لم يعد من السهل السيطرة عليها، والمطلوب ليس كبيراً فقط بليون ونصف ربما من السهل أن يجمع فقط من العالم الإسلامي. لكن السؤال الذي يتكرر دائماً، إذا كان بليون ونصف مبلغاً قليلاً، فربما المساعدات التي قدمت للصومال أو لكثير من دول القرن الافريقي في العشر سنوات الماضية تزيد على البليون ونصف؟ لماذا لم تحل المشكلة كل هذا الوقت؟ - في الصومال يدعون انه هناك مشكلة انعدام الأمن، وهذا ما شاهدته ولمسته بنفسي عندما زرتها، تخيل وأنا شخص واحد يكون معي 10 حراس، فكيف تعمل هناك إن كان كل موظف يحتاج إلى 10 حراس شخصيين، وهذا مما يعوق العمل، واعتقد انه توجد في الصومال حلقة مفقودة، فالحكومة ضعيفة ولا تدعم، والحل ربما يكمن في أن توضع حكومة تدعم بالجيش أو بالجيش الأفريقي أو جيش مسلم يتماشى مع هذه الدولة المسلمة، ومن المؤلم في 2011 أن تجد أطفالاً من العرب والمسلمين يموتون على الطرق. لكن هذا يتكرر، فمثلاً في عام 91 كانت هناك مجاعة الصومال وفي عام 95 وفي عام 97، لماذا لا يكون الحل عبر منظمة الأغذية العالمية بأن توفر الحبوب وغيرها حتى تكون منطقة منتجة، على رغم أنها منطقة غنية بالمراعي؟ - الصومال غنية بمراعيها، غنية بأراضيها، ولو رجعنا الى الثمانينات، كان أحد زعماء مجلس التعاون الخليجي وهو أمير الكويت الشيخ جابر الصباح لديه أفضل المزارع في الصومال، بمعنى انه كانت من أفضل البلاد، كانت بلد خير، ونحن في المملكة كنا في حال سيئة وكانت الصومال أفضل منا. ولو نستحضر المفارقات بين الصومال وجيبوتي، وهما تعيشان جنباً إلى جنب وربما جيبوتي اصغر منها، لكنها أهنأ عيشاً بكثير من الصومال؟ - جيبوتي أصغر وعدد سكانها اقل وحياتهم أفضل، وأنا زرت كل دول القرن الأفريقي، ورأيت الفرق فيها، خصوصاً الكهرباء، وبالفعل تشعر أن جيبوتي بلد مستقر، ولاشك أن أول ما تشعر بأنها دولة مؤسسات والصومال تفتقد هذه المؤسسات. وكيف ترى تبرع المملكة التي قدمت هذه المساعدة السخية ب60 مليون دولار للصوماليين؟ - مساعدة المملكة العربية السعودية ستنقذ كثيراً من الجائعين، وهذا ليس بغريب على المملكة، فهي قدمت الكثير للشعب الصومالي، الذي يعيش فيه الآن ما يقارب 8 ملايين، يوجد منهم 4 ملايين نازح ولاجئ، أي نصف البلد يعيش كارثة إنسانية، وطبعاً الأممالمتحدة ومنظماتها قامت بالكثير، لكن المهم اليوم أن يتدخل المجتمع الدولي في هذه الجائحة والمنظمات الإسلامية عليها دور مهم. لو عدنا إلى مساعدات المملكة السابقة، ما أبرز المساعدات التي قدمتها للصومال؟ - قدمت المملكة في ال30 سنة الماضية أكثر من 100 بليون دولار، استفادت منها أكثر من 90 دولة، الصومال جزء من هذه المساعدات، والمملكة قدمت الكثير للصومال، وهي تقدم للحكومة والشعب الصومالي عن طريق المنظمات الدولية، ومساعداتها كثيرة، وحاولت أن تصلح بين الصوماليين عندما أتوا إلى مكة وجلسوا مع خادم الحرمين، وحصل معهم ما حصل للفلسطينيين ونقضوا الميثاق، لتدخل بعدها دول أخرى في تفكيكها. وهل تتوقع أن الهيئة السعودية لمساعدة الصومال ستعود للحراك بعد هذه الجائحة؟ - نعم، وأعتقد أنه على الخليج والدول الإسلامية أن يتحركوا الآن بشكل أكبر، لان المصيبة كبيرة في دولة مسلمة وجارة. وهل هذه المجاعة هي الأكبر في ال20 سنة الماضية. - بل الأكبر من 60 سنة، وسترى الأرقام تتضاعف وتتكاثر بسرعة وليس عشرة ملايين أو 11 مليوناً التي يتكلمون عنها الآن، بل أعتقد أنها ستكون في ازدياد وسنرى ما يحزننا، الآن أرى أطفال الصومال يموتون ما بين مقديشو إلى الحدود الكينية، ويموت أطفال الصومال في الطرق قبل أن يصلوا إلى الحدود، هناك حوادث سمعتها طبعاً ولم أشاهدها، سمعت عن أمهات يتركن أبناءهن لأنهم كانوا عالة عليهن. بوضعك الاختصاصي ما الحل الذي تراه لإنقاذ الصومال في المرحلة الآنية وفي المرحلة المتوسطة وفي المرحلة الطويلة؟ - اعتقد أن الحل في المرحلة الآنية يكمن في حماية المساكين واحتوائهم في مخيمات بطريقة ما، الخطوة الثانية هي مناقشة المجتمع الدولي في مسألة الصومال وحلها وليس في الجمعية العمومية بل على مستوى أكبر، خصوصاً إذا اتخذت الدول الإسلامية وعلى رأسها السعودية موقفاً مميزاً، أعتقد أننا سنرى حلاً جذرياً، لأنني أعتقد أن كل الصوماليين مهما اختلفوا فهم يكنون محبة خاصة للمملكة لأنها أرض الحرمين وبها القبلة، والمملكة دائماً تحتوي الصوماليين وتعمل من أجلهم منذ عهد الملك عبدالعزيز وحتى عهد الملك عبدالله. والخطة المستقبلية لإنهاء هذه المجاعة بإيجاد البنية التحتية، فأنت عندما تذهب للصومال تجد شيئاً محزناً، لا ترى بنية تحتية نهائياً إلا الاتصالات لأنهم يحبون الحديث ولأنه جزء من ثقافة العصابات على الأصح أو التهريب أو سمها ما تشاء، هذا فقط الموجود ترى أبراج تلفونات ليس غيرها، لا ترى كهرباء. السبب عدم وجود المراعي أو عدم وجود المناطق الخضراء؟ - هناك جفاف وحروب أهلية لمدة 21 سنة، وكما تعلم هناك مخيمات وضعت لمدة أشهر في عام 1991 كما يحكي لي زملائي موظفو الأممالمتحدة القدامى الذين يقولون إنهم وضعوا هذه الخيام لمدة أشهر والآن لها 21 سنة، وهذه مأساة، تخيل أن الشباب الموجود في مقديشو لم يعرفوا مدارس لم يعرفوا تعليماً، عرفوا العنف، ولهذا السبب تجد جزءاً من الصوماليين عندهم إشكالية العنف، و100 دولار ممكن أن توجه الصومالي يميناً ويساراً، ونرجع إلى القول بأن هناك تصفية حسابات على أرض الصومال ومن يدفع ثمنها هم الصوماليون. إذا رجعنا للمساعدات السعودية مِمَ تتكون هذه المساعدات؟ - المساعدات الأخيرة تتكون من 50 مليوناً دفعت لبرنامج الأغذية العالمي لأنه هو الموجود على الأرض، ومن الصعب على المنظمات الأخرى أن تعمل في الصومال بحكم العنف الموجود، وهذه المساعدات ستعطي الدعم لشراء المواد الغذائية من الدول المجاورة ودعمهم للمحتاجين والفقراء، و10 ملايين تعطى لمنظمة الصحة العالمية منها لأجل الأدوية، وبخاصة للأطفال، الآن أطفال الصومال فيهم تقريبا 2.5 مليون طفل مهددون بالموت، حتى غير النازحين هناك أطفال آخرون مهددون بالمرض. ومتى تصل المساعدات السعودية والإسلامية إلى أرض الصومال؟ - وصلت الطائرة الأولى التي عليها مساعدات البرنامج والأغذية، وسترى مساعدات كثيرة من دول أخرى متحركة مثل الكويت التي انطلقت منها قافلة جوية، ووصلت طائرة ثالثة. المؤسسات السعودية الخيرية وليس العالمية الإسلامية، كيف ترى دورها في محنة الصومال الحالية والماضية؟ - المؤسسات السعودية حالياً لا تعمل في الصومال أو تعمل من بُعد، يعني من الممكن وجود جهود شخصية لأفراد يعملون يميناً ويساراً، لكن كمؤسسات قوية أو منظمات لا أعتقد أنها توجد أو لم أرهم وأنا في الصومال، ولا ألومهم لأن المكان خطر. هل تتوقع أن تكون هناك حملة لمساعدة الشعب الصومالي عبر التلفزيون أو عبر القنوات الإعلامية لاحقاً خصوصاً ونحن في شهر رمضان؟ - أنا أعتقد بقلب خادم الحرمين الشريفين الكبير سنراها في رمضان، لمنع زيادة رقعة هذه المجاعة. الوضع الداخلي في الصومال ووجود الحكومة ألا يساعد في وصول المساعدات أو التخفيف من معاناة النازحين واللاجئين؟ - مع الأسف الحكومة الصومالية الآن ضعيفة، والمجتمع الدولي لم يدعم الحكومة لتقويتها، فهي حكومة ضعيفة لا وجود لها، بمعنى أنك تجد قبائل في الصومال هي المتحكمة بالدولة، وهي مجموعة عصابات، ومن المفترض أن تكون هناك حكومة قوية تفرض الأمر بالتضحيات. لكن إذا كانت هناك فوائد للشعب وللمواطن البسيط من ناحية الإثراء، ومن ناحية المراعي، ومن ناحية الخير ألا يغير ذلك رأيهم قليلاً؟ - أتمنى لو أن الصومال وجدت فيها حكومة، لأنها لو وجدت فيها الدولة لوجدت الدول العربية والخليجية والدول الإسلامية تركض نحو الصومال، ولوجدتهم استثمروا وعملوا من أجل الصوماليين ومعهم. كيف ترى دور حركة شباب المجاهدين في منع وصول المساعدات أو في زيادة حجم المأساة في الصومال؟ - هي جزء من المشكلة، لأن منظمات الأممالمتحدة كانت لا تستطيع الوصول إلى هذه المناطق التي أقفلت لفترة، وكانوا يطلبون الفدية، والمنظمات اتخذت موقفاً فكيف أخدم أطفال الصومال في مقابل دفع جزية لأساعد أطفالها، وهذا ما جعل هناك رد فعل من المنظمات الدولية، ما جعل الكارثة تزداد سوءاً، لكن لما رأت مجموعة شباب المجاهدين الكارثة وصلت إلى مرحلة سيئة فتحوا المجال بفتوى بأخذ المساعدة من «الكفار».