تشهد الصراعات الفكرية حضوراً لافتاً في الساحة الإعلامية، التي زادت من لهيب حضورها سواء في الصحافة أو الإذاعة أو القنوات الفضائية، ما جعل البعض يتخوف من تراجع النشاط الشرعي أو الفقهي والثقافي المجرد، وسط طغيان الجدل والصخب الفكري على ما سواه من الأطروحات الإبداعية والبحثية الرصينة. الشرعيون لا يجدون إشكالاً في العناية بالمناكفات الفكرية، إلا أن بعضهم اعتبرها مسألة ثانوية، تأتي بعد أن يضطلع المرء بالأسس الشرعية والفكرية، وشبهها بعضهم ب «الملح في الطعام» متى ما زادت عن حدها انقلبت إلى الضد من ذلك، مقرين بأن السجالات التي حضرت في وسائل الإعلام أسهمت في إنعاش الحراك الفكري وطغيانه على شتى الجوانب، ويبقى التساؤل هل هي موجة وقتية تعلو وبعد حين تتقلص أم تنبئ بتطورات مستقبلية؟ أوضح رئيس قسم الدراسات الإسلامية في جامعة الملك سعود الدكتور سليمان العيد أن هناك عزوفاً من بعض الإسلاميين عن الجوانب الشرعية والفقهية، إلا أنه قلل من استمرارية ما أسماه ب«الموجة الفكرية»، واعتبر أنها ستضمر مع الوقت، وأن البقاء للأسس الشرعية التي تنطلق من الكتاب والسنة، مطالباً أن يعتني الشباب بالأطروحات الشرعية من الدرجة الأولى قبل أي شيء. من جانبه، ذكر عميد كلية الشريعة في جامعة الإمام سابقاً الدكتور سعود الفنيسان أن القضايا الفكرية التي تتناول العقائد والثوابت الشرعية وتؤكدها وتقويها أمور مهمة، وتستلزم البحث فيها، ورأى أن الأطروحات الفكرية الحالية (كالهوية، والعولمة، الديموقراطية...) لا يمكن الاستغناء عنها لأنها من النوازل التي جدت في هذا العصر. وأضاف: «ينبغي لطالب العلم وكذلك العالم أن يكون على بصيرة في مستجدات العصر ويتعاطى معها وفقاً لأدلة واضحة صريحة، ويأخذ الجوانب الإيجابية منها»، لافتاً إلى أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، «فحينما يريد المرء أن يقوم شيء لابد أن يتعلمه». ونوه إلى أن المغالاة في الجوانب الفكرية حتى تشغل المرء عن أحكام شرعية مهمة كالصلاة والزكاة وغيرها من أمور دينه، يعد جناية على النفس وتفريطاً. مفيداً أن الأطروحات الفكرية ربما تسبب للإنسان قسوة في القلب بسبب بعده عن الكتاب والسنة. وحول رأيه في القراءة لمفكرين من شتى الأطياف، قال: «الناس يختلفون وترجع المسألة للقارئ فإن كان أخذ حصيلة من العلم الشرعي فممكن أن يقرأ في الأطروحات الفكرية الجديدة، أما إذا كانت تنقصه الذهنية الشرعية فلا ينبغي له أن يقضي وقته في الأمور الفكرية»، معتبراً أن القضايا الفكرية لا تنفع طالب العلم في تأثيره على الناس. وأضاف: «الكثير لا ينقصه علم أو فكر وإنما تطبيق ما يعلم»، وأشار إلى أن القضايا الفكرية تعد من المفاهيم التي تساعد على عدم الوقوع في الخطأ، «لذا لابد أن تدرس القضايا الفكرية حتى لا يقع الناس في الأخطاء». ورأى أن مبدأ التفريق بين الفكر والشرع غير ظاهر، «الفصل بين الفكر والقضايا الشرعية نظرة خاطئة لابد أن يكون الفكر منطلقاً من القضية الشرعية التي تساند التوحيد»، وزاد: «القضايا الجديدة التي تتناول حداثة النص وما إلى ذلك هي من القضايا الجديدة التي تكاد تقضي على هوية المسلم»، مؤكداً على أن هوية المسلم قضية رئيسية، والاهتمام بها مطلب مهم. وألمح إلى أن هناك من اهتم بالجانب الفكري وانحرف بعد ذلك. واستدرك بأنه لا يمكن تفضيل جانب على آخر، «وإنما تعود لطبيعة القارئ، فإن كان في أول سلالم العلم الشرعي فعليه أن يركز على المسائل الشرعية والعبادية وأدلتها ولا بأس أن يأخذ بقليل من الفكر، أما إذا تقدم به العلم والوعي والحياة فلا يمنع من القضايا الفكرية». وأفاد الأكاديمي في جامعة الإمام محمد بن سعود الدكتور زيد الغنام بأن القضايا الفكرية إن قصد بها معرفة الواقع ومخاطبة الناس بما يفهمون، فينبغي للمتخصص أن يعنى بها، ولا ينبغي أن تطغى على اهتمامه. وأضاف: «وجدنا بعض طلبة العلم دخلوا هذا المجال وأثر عليهم، من ناحية الاهتمام العلمي ودخلوا في متاهات ربما لا يحسنونها، لذا ينبغي الاعتدال في ذلك لا إفراط ولا تفريط». وعن انكباب بعض الشرعيين على الجوانب الفكرية، قال: «إن كانت القراءة لمفكر تعرض للشرع بشيء من الخطأ فينبغي الرد عليها ممن هو أهل للرد، فيجب وجوباً على طلبة العلم أن يردوا عليه، أما إن كانت مجرد أطروحات ليست لها أهمية فتركها أولى لأن البعض لا يستحق أن يرد عليه». وشدد على أهمية الالتزام بالعلم الشرعي، ورأى أنه أفضل من الأطروحات الفكرية، «فكلما كرّسنا مسألة رجوع الناس إلى القرآن والعلم والتأصيل كان ذلك خيراً للناس». مشبهاً الأطروحات الفكرية كالملح في الطعام لا يكثر منها. وقال الدكتور محمد النجيمي: «إذا كان الاهتمام الفكري ينبع من الظروف التي تحيط بعالمنا الإسلامي فأنا أعتقد أنه من الطبيعي أن تأخذ الجوانب الفكرية حيزاً كبيراً، لكن ليس من الطبيعي أن يتحول الاهتمام بالكلية إلى هذا الموضوع». ورأى أن المثقفين إذا كانوا يهتمون بقضايا فكرية تتعلق بحقوق الإنسان والديموقراطية وغيرها فهذا أمر إيجابي، وشدد على أنه لا يجوز إهمال الجوانب الشرعية والتخصصية، «الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده». وأضاف: «اعتقد أن الطلاب الشرعيين لديهم من الحصيلة الفقهية ما يجعلهم في مأمن، أما العاديون الذين لديهم ثقافة إسلامية من دون تخصص فأنا انصحهم بعدم القراءة في الجوانب الفكرية للطوائف الأخرى»، وعلل ذلك بأنهم قد يقعون في البدع، مستشهداً بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لمَّا رأى عمر بن الخطاب يقرأ التوراة غضب وقال لو كان أخي موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي». وذكر أن القضايا الشرعية والفقهية مهمة وتأخذ حيزاً مهماً، وهناك قضايا جديدة جدت وتحتاج للاهتمام، ونفى أن تكون الجوانب الفكرية متجددة وحدها والقضايا الشرعية تشهد ركوداً. وطالب بأن تكون الجوانب الفكرية فرعية وليست أساسية، «فعلى المتخصص في الجوانب الشرعية أن يكون قوياً في تخصصه ويمكن أن يتدرج في الفكر، ولكن لا يصح أن يضيع وقته كله في الجوانب الفكرية». وتطرق إلى أن السجال الفكري الموجود في النوادي الأدبية وفي الصحافة وفي القنوات هو الذي أثار القضايا الفكرية وجعلها تتخذ جانباً مهماً لدى الناس وتطغى على الساحة وهذا أمر إيجابي، وأسهم في إنعاش الحراك الثقافي لدى المجتمع السعودي. ونوهّ إلى أن القضايا الفكرية إذا أصبحت شغل الناس الشاغل يتحول الأمر إلى سلبي، ولفت إلى أن معظم انحرافات الناس لا تأتي إلا من جوانب فكرية، وبالتالي فالشرعيون مطالبون بتبيين الحق للناس. رافضاً اعتبار الجدال الفكري مؤخراً للتنمية والتقدم. واعتبر الاهتمام بالجوانب الفكرية أمراً جيداً، شريطة ألا يتجاوز الحد المطلوب، وأن يكون بتوازن، مثل الطبيب لا يهمل تخصصه لمتابعة أمور أخرى، لذا لا بد من أن تكون القضايا الشرعية في حيز الاهتمام الأول.