في وقت يتصاعد التوتر بين دونالد ترمب وحلفائه الأوروبيين، بدأت ملامح تحول إستراتيجي تتشكل داخل حلف شمال الأطلسي، مع تحركات غير معلنة؛ تهدف إلى بناء قدرة دفاعية أوروبية أكثر استقلالاً؛ تحسباً لاحتمال تقليص الدور الأمريكي، أو انسحابه من القارة. وتشير معطيات متداولة بين مسؤولين أوروبيين إلى العمل على ما يُعرف ب"ناتو أوروبي"، وهو تصور يسعى إلى تعزيز أدوار الدول الأوروبية داخل الحلف، لا سيما في مجالات القيادة والسيطرة، مع تعويض القدرات العسكرية الأمريكية بأخرى أوروبية؛ لضمان استمرارية الردع، خصوصاً في مواجهة روسيا. ورغم أن هذه المبادرة لا تستهدف استبدال الحلف القائم، فإنها تعكس قلقاً متزايداً في العواصم الأوروبية بشأن موثوقية الولاياتالمتحدة؛ كضامن أمني رئيسي، خاصة بعد سلسلة مواقف وتصريحات لترمب انتقد فيها الحلفاء الأوروبيين، ولوّح بإمكانية الانسحاب من الحلف، بل ووصفه ب"نمر من ورق". هذا القلق دفع دولاً أوروبية إلى إعادة النظر في إستراتيجياتها الدفاعية، عبر تسريع وتيرة التصنيع العسكري في مجالات تعاني فيها فجوة واضحة مقارنة بالقدرات الأميركية؛ مثل الغواصات، وأنظمة الاستطلاع، والتزود بالوقود جواً، والنقل العسكري. وفي هذا السياق، برزت مشاريع تعاون دفاعي جديدة؛ من بينها مبادرة مشتركة بين ألمانيا والمملكة المتحدة؛ لتطوير صواريخ متقدمة، في مؤشر على توجه أوروبي لتعزيز الاكتفاء العسكري. كما أعادت بعض الدول فتح ملف التجنيد الإجباري، في تحول لافت منذ نهاية الحرب الباردة. ورغم الطموحات المتزايدة، يواجه هذا التوجه عقبات كبيرة؛ إذ لا تزال البنية القيادية داخل الناتو تعتمد بشكل أساسي على الولاياتالمتحدة، حيث يشغل الأميركيون تقليدياً منصب القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا. كما أن أي دولة أوروبية لا تمتلك بمفردها القدرة على تعويض الدور الأميركي، خاصة في ما يتعلق بالمظلة النووية، التي تمثل حجر الزاوية في إستراتيجية الردع. وفي هذا الإطار، أكد ألكسندر ستوب، أن عملية نقل جزء من العبء الدفاعي إلى أوروبا "جارية بالفعل"، مشدداً على ضرورة إدارة هذا التحول بشكل منظم؛ لتفادي أي فراغ أمني قد ينجم عن انسحاب مفاجئ. تأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية في القارة الأوروبية، بالتزامن مع أزمات دولية متشابكة، من بينها التوتر مع روسيا، والتصعيد في الشرق الأوسط. وهو ما يضع أوروبا أمام معادلة صعبة؛ الحفاظ على التحالف الأطلسي من جهة، والاستعداد لسيناريوهات تراجع الدعم الأميركي من جهة أخرى.