الانتهاء من تطوير مخطط سكني في منطقة القصيم يوفّر أكثر من 4 آلاف أرض    #وظائف إدارية شاغرة لدى شركة المراعي    "التجارة" تغلق ثلاث منشآت تجارية لارتكابها جريمة التستر وتحيلها للنيابة العامة    متمردو تشاد يهددون بالزحف نحو العاصمة بعد مقتل إدريس ديبي    سمو ولي العهد ووزير خارجية اليونان يستعرضان العلاقات الثنائية وأوجه التعاون المشترك    تعادل النصر وفولاد بالشوط الأول    بوابة الدرعية" تطلق مبادرة "أبنشدك_عن" تراث الدرعية    بوابات جدة القديمة .. قصة وشائج الماضي بالحاضر    لبنان تسجل 1608 إصابات جديدة بفيروس كورونا المستجد    أمانة جدة تحدد أوقات أعمال البناء.. تعرف عليها    محمد كنو: نسعى لمواصلة التميز    أمانة جدة تغلق 10 آلاف منشأة مخالفة لتدابير كورونا    ألمانيا: تراجع الناتج الاقتصادي بالربع الأول    القيادة تعزي السيسي في ضحايا قطار القليوبية    ولي العهد يعلن عن قمة سنوية لمبادرة الشرق الأوسط الأخضر    إثيوبيا تفرض حالة الطوارئ بإقليم أمهرة إثر أعمال عنف    مدارس عبدالعزيز العالمية تواصل تقديم حلول التعليم الإلكترونية بجودة عالية    مصادرة 500 كيلوجراماً من الأسماك وإتلاف 13 كيلوجراماً من الكبة الدمشقية و30 كيلوجراماً من اللحوم بمكة    ليبيا ومصر توقعان عدد من مذكرات التفاهم في عدد من المجالات    في أول مؤتمر حقوقي بمأرب.. وكيل المحافظة: الحوثي دمر 45 مخيماً للنازحين    القيادة تعزي الرئيس المصري في ضحايا حادث قطار محافظة القليوبية    الأمن البيئي: ضبط 48 مخالفا بحوزتهم 76 مترًا مكعبًا من الحطب المحلي    ب"الهايبيك"..أطباء سعوديون ينجحون بعملية أعجزت الجراحين بأمريكا    سلطان بن سلمان يثمن تخصيص مصلى لذوي الإعاقة في التوسعة السعودية الثالثة    مركز الملك سلمان يوزع السلال الغذائية للاجئين السوريين والفلسطينيين والأسر اللبنانية    الخارجية الفلسطينية: التصعيد الاستيطاني ومخاطره في صلب جولة الوزير المالكي الأوروبية    بورصة تونس تقفل على تراجع جديد    وسط توترات متزايدة.. سفير واشنطن يغادر موسكو    "توكلنا" يتيح حجز لقاح "كورونا" عبر التطبيق    "الحصيني": أجواء حارة نهارا معتدلة ليلا بالمملكة.. وهذه المناطق تشهد هطول أمطار    فيصل بن مشعل يلتقي الرئيس التنفيذي لمؤسسة سليمان الراجحي الخيرية    ارتفاع معظم أسواق الخليج وانقضاء توزيعات الأرباح يهبط ببورصة دبي    "التعليم والتدريب" و"الصناعات العسكرية" توقعان مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون    الفائزة بجائزتي "الشباب والأفلام": التكريم يمنحُنا الثقة    لمدة 4 سنوات.. أمر ملكي بتمديد خدمة "التويجري" نائبا لوزير الحرس الوطني    "الحج والعمرة": الإعلان عن مواعيد الجمعيات التأسيسية لشركات أرباب الطوائف خلال أسبوع    إطلاق دوري السوبر الأوروبي.. و الفيفا يهدد    الجبير يستقبل وزير خارجية اليونان    النيابة تتسلم ملف مشاجرة شرق جدة وسبعيني بين المتهمين    "الخطوط السعودية" توقع مع إحدى شركات إنتاج التنظيف لتعقيم الرحلات الجوية وتوعية المسافرين    خلال 6 أيام من رمضان.. 100 أسرة تسكن منزلها عبر جود الإسكان    جامعة الملك عبدالعزيز تطلق أول "هاكثون" لتعليم القرآن الكريم خلال شهر رمضان    اعتراض وتدمير طائرة دون طيار مفخخة أطلقتها المليشيا الحوثية تجاه خميس مشيط    رفع طاقة الاستيعاب لمسارات صحن المطاف وتخصيص ٤ مسارات لكبار السن    الغذاء والدواء : اللقاحات المعتمدة في #المملكة عالية السلامة    1500 امرأة لخدمة قاصدات وزائرات المسجد الحرام    الملك يوجّه بصرف 1.9 مليار ريال "معونة رمضان" لمستفيدي الضمان الاجتماعي    الإثارة تجمع النصر وفولاد الإيراني .. فارق الأهداف يشعل مواجهة الصدارة    مركز الملك سلمان للإغاثة يواصل توزيع السلال الغذائية الرمضانية في لبنان    نائب وزير الدفاع والمبعوث البريطاني يبحثان التعاون الدفاعي    1500 امرأة لخدمة قاصدات وزائرات المسجد الحرام    الفيفا يؤيد تمثيل الأمين العام في لجان الاتحادين الدولي والآسيوي.. والنصف مليون هي تحديد لصلاحيات الرئيس بدلاً من أن تكون مفتوحة    5 مراكز ثقافية سعودية تبرز عالمية العلا    نائب أمير جازان يعزي أسرة الدفري    ممنوع التجول ورامز واستديو 21 في صدارة الترند        رئيس هيئة الأركان العامة يستقبل كبير مستشاري الدفاع البريطاني لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا    أمير تبوك يطلع على إنجازات وزارة التجارة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





فساد «الديمقراطية»!!
نشر في اليوم يوم 07 - 08 - 2014

وهل يجتمع النقيضان كما يقال؟، قد يبدو الأمر مستغرباً، لكنه يحصل في العديد من التجارب الدولية بعض الاشتباكات والتداخلات، ذلك أن الفساد آفة تضرب في جسم الدولة أينما وجدت فرصة لها، سواء في البلدان المتقدمة أو المتأخرة أو النامية، وسواء كان نظام الحكم ديمقراطيا أو دكتاتورياً واستبدادياً، محافظاً أو راديكالياً "ثورياً"، وأينما وحيثما حللنا وتوجهنا، صادفنا ظاهرة الفساد من حولنا، فهي عابرة الحدود والقارات، لاسيّما في ظل العولمة وثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام.
الفارق بين الدول المتقدمة ولاسيّما الديمقراطية وبين بلدان العالم الثالث، التي تحكم بعضها أنظمة فردية أو غير منتخبة، أن الأولى حتى وإن شهدت ظاهرة الفساد، لكن القضاء عليه ومكافحته ستكون بالمزيد من الديمقراطية والشفافية، أي معالجة عيوب الديمقراطية بمزيد من الديمقراطية والانفتاح وليس إنكاره أو إكراه أجهزة الدولة على عدم مساءلة الفاسدين ومتابعة قضايا الفساد، بالتغطية عليه وعلى مرتكبيه والمشاركين فيه.
الفارق بين النموذج الأول أن هناك مؤسسات وقوانين ومساءلة وقضاء مستقلا ورأيا عاما، بحيث لا تستطيع الجهات المتنفّذة أن تغطّي على فسادها إلى ما لا نهاية، في حين أن النموذج الثاني في البلدان المتخلّفة، فالمؤسسات هشة والقوانين لا ترتقي إلى التطبيق حتى وإن كانت تتضمن قواعد قانونية إيجابية، لأن إرادة الحاكم أحياناً ونفوذ الفاسدين هما الأساس الذي يجري الاحتكام إليه، وبهذا المعنى، فالمساءلة قد لا تطال المتنفذين وعائلاتهم وأتباعهم، كما أن القضاء مهيمن عليه، ودور الرأي العام بمؤسساته وإعلامه ونقاباته وحركته السياسية والمدنية لا يزال ضعيفاً أو مغيّباً.
في الكثير من البلدان العربية التي شهدت تحولات خلال السنوات الأخيرة، واجهتها أخطبوطات الفساد على نحو شديد، ففي العراق على سبيل المثال، ساهم الاحتلال الذي هدم مؤسسات الدولة العراقية، وخصوصاً القوات المسلحة والأمنية، في نشر ظاهرة الفساد، وبدّد بول بريمر وحده وخلال عام واحد (13 مايو 2003- 28 يونيو 2004) أكثر من 8 مليارات دولار، وكانت الحكومات التي أعقبته قد هدرت ما يزيد على 20 مليار دولار، ولم تسلم حتى مؤسسات المجتمع المدني من الفساد الذي قال بريمر إنه وزع عليه ما يزيد على 780 مليون دولار دون أن يعرف أحد أين ذهبت ووفقاً لأي اعتبار تم توزيعها؟.
لعلّ ميزانية العراق منذ الاحتلال العام 2003 ولحد الآن قاربت على 700 مليار دولار، لكنه على الرغم من ذلك، فما زالت الخدمات متدنّية مثل الكهرباء والماء الصافي، إضافة إلى الخدمات الصحية والتعليمية، والبيئية والسياحية، وغيرها، إلى تدهور البنية التحتية ومياه الصرف والمجاري، بحيث تكفي زخّات مطر لسويعات حتى تغرق بعض أجزاء العاصمة بغداد والكثير من المدن العراقية. وبسبب طبيعة نظام المحاصصة الذي أنشأ بعد العام 2003، فإن الكثير من الملفّات لا تزال معطّلة، بما فيها ملاحقة الفساد والمفسدين، ويوجد أكثر من 1000 موظف حكومي رفيع المستوى، بمن فيهم أكثر من 15 وزيراً وعدد من النواب متّهمين بالفساد، لكن لم تمتد إليهم يد العدالة أو تطالهم المساءلة.
كما أن الإرهاب يتغذّى في بيئة الفساد المستشرية، والارهاب هو الوجه الآخر للفساد، سواء الدعم الخارجي أو ابتزاز الأموال داخلياً، من جانب جماعات إرهابية وتكفيرية، باسم تنظيم القاعدة أو داعش أو غيرها، وما حدث في الموصل مؤخراً دليل على ذلك.
ولأن الحلول التي لجأت إليها الدولة لا تزال قاصرة، ولاسيّما على المستوى السياسي، فإن ظاهرة الإرهاب لا تزال متفشية ومستفحلة في بغداد العاصمة وحزامها بشكل خاص وفي العديد من المدن العراقية، ولاسيّما الساخنة التي تشكو من التهميش والإقصاء، متخّذة من الطائفية والتمترس المذهبي إطاراً للتحرك.
إن ظاهرتي الإرهاب والفساد ظاهرتان سياسيتان مرتبطتان بضعف الدولة وعدم قيامها بواجباتها المطلوبة، ومن أهمها حماية النظام والأمن العام والحفاظ على حياة وأرواح الناس بغضّ النظر عن انتماءاتهم السياسية وانحداراتهم الدينية والقومية والمذهبية. لم تستطع الدولة بالحلول الأمنية واللجوء إلى الوسائل العسكرية، القضاء على الارهاب واجتثاث العنف من واقع البلاد، ولهذا فإن مدينة مثل الفلوجة لا تزال عصية على استعادة الأمن والطمأنينة، وهي محاصرة منذ ما يزيد على ثمانية أشهر وإن غالبية سكانها رحلوا عنها، وحصل في الأنبار وصلاح الدين وكركوك وديالى هجرة كبيرة بسبب أعمال الارهاب والعنف وهيمنة الجماعات الارهابية المسلحة، وما زالت غزوة داعش للموصل مفتوحة على احتمالات كثيرة.
الحل السياسي يحتاج إلى تفاهمات مجتمعية وتوافقات سياسية يساهم بها الجميع دون استثناء أو إقصاء أو تهميش، على أساس واضح وصلب، وهو استعادة هيبة الدولة وإحكام سيطرتها على المناطق التي يهيمن عليها الارهابيون، وتلبية مطالب السكان العادلة والمشروعة ورفع الحيف والغبن عنهم وجعلهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم في إطار تفاهم وطني وعلى أساس احتكار السلاح من جانب الدولة وحدها، وذلك بالقضاء على الارهاب وإنهاء العنف ووضع معالجات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية ودينية، طويلة الأمد لاجتثاث هذه الظاهرة، خصوصاً بتوفير فرص عمل وتقليص البطالة وتحسين الخدمات وغير ذلك، وهو الأمر الذي تنتظره سيناء في مصر ومناطق الوسط والجنوب في تونس والعديد من المناطق الليبية خارج العاصمة طرابلس، كما يتطلب الأمر تنمية متوازنة في اليمن.
في مصر، حيث الدولة العميقة، وفي تونس حيث الدولة البيروقراطية الحديثة، انتشرت ظاهرة الفساد الجديدة، بعد الإطاحة بنظامي محمد حسني مبارك وزين العابدين بن علي، الفاسدين، ولكن الفساد الجديد اقترن بغطاء ديني، سواء في ظل حكم الأخوان في مصر وحكم النهضة في تونس، وإنْ كانت ظاهرة الفساد منتشرة في جميع بلدان العالم، وبالأخص بلدان العالم الثالث، لكن الحلول والمعالجات بخصوصها مختلفة، وقد لعب الجيش في مصر دوراً حاسماً في الحد من الظاهرة في حركة مؤيدة للتظاهرات الشعبية فأطاحت بحكم الأخوان في 3 تموز (يوليو) 2013، أما في تونس فقد لعب المجتمع المدني وحكمة حزب النهضة في استبدال الحكومة وإجراء تغيير سلمي في إطار توجهات الثورة ذاتها، والاّ كان الاصطدام قاب قوسين أو أدنى، لاسيّما من خلال بعض العمليات الارهابية وبروز بعض الجماعات المتطرفة.
في الهند مثلاً، نجح متدينون على درجة من التعصب في الوصول إلى السلطة، واجتمعت في شخص نارندرا مودي زعيم الحزب الحاكم (بهاراتيا جاناثا) ظاهرتا التطرف الديني والتعصب القومي، ويعدّ فوزه خرقاً للديمقراطية الهندية التي مضى عليها أكثر من ستة عقود ونصف من الزمان، حكم خلالها حزب المؤتمر الهندي الوسطي 54 عاماً، سواء بصورة منفردة أو بالتعاون مع أحزاب أخرى، ولكن ذلك أحد عيوب الديمقراطية التي ينبغي معالجتها بوسائل ديمقراطية أيضاً.
وخلال الفترة المنصرمة شهدت البلاد تفاقماً في ظاهرة الفساد على الرغم من صعود التنمية إلى مدى كبير، ويكفي أن نشير إلى أنه خلال العقد الماضي ازداد عدد المليارديرية من 6 أشخاص ليصل إلى 61 شخصاً، وارتفع الفساد إلى ثلاثة أضعاف ما أنفقته حكومة الهند على برامج الرعاية الصحية والاجتماعية.
إن مظاهر الفساد في العالم الثالث تتراوح من القمة، حيث المراتب العليا للدولة إلى السياسيين، إلى رشوة رجال الأعمال، إلى التهرّب من الضرائب والالتفاف على القوانين والتخلّص من الملاحقات القضائية.
وعلى الرغم من ثروات دول مثل العراق وليبيا والجزائر وهذه كلّها بلدان نفطية، لكنها أقل مستوى معيشة، لبلدان مثل تونس والمغرب وربما للأردن مثلاً، على الرغم من شحّ مواردها، وترتفع نسبة الفقر على نحو مريع، بل إن أعداد السكان دون خط الفقر في البلدان الميسورة أكثر بكثير من بلدان العُسر. ولا يخفى أن أشكال الفساد تمتد من الفئات العليا إلى رجال الشرطة والأمن والأجهزة الضريبية، دون نسيان بعض مؤسسات المجتمع المدني وما تقوم به من أنشطة ذات أبعاد إنسانية بالاعتماد على التمويل الخارجي دون رقابة أحياناً.
الفساد حتى وإن جاء عن طريق الانتخابات، كما هو في العراق ومصر وتونس وليبيا والجزائر وغداً في سوريا وغيرها مثل الهند، فلا فارق بينه وبين الفساد الذي يأتي من قمة سلطة استبدادية غير منتخبة، الفارق في تجربة مثل الهند التي عاشت سنوات من التسامح والاعتدال، هو توفّر شرط يتعلق بالداخل (العقلانية والديمقراطية) وشرط آخر يتعلق بالخارج (التهديدات الباكستانية والتحدّي الصيني) وتبقى ديمقراطيتها التعددية العابرة للظاهرة الدينية والطائفية والقومية والسلالية واللغوية، إحدى ضمانات مواجهة الفساد وملاحقة الفاسدين، خصوصاً بدور القضاء المستقل وبقية المؤسسات التشريعية والرقابية والإعلامية والرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني، وقد يكون ذلك أحد اختبارات التجربة أيضاً!!.
باحث ومفكر عربي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.