ليس كل الصمت فراغًا.. أحيانًا يكون الصمت هو أكثر اللحظات امتلاءً بالأفكار. في الخلوة، حين يهدأ الضجيج من حولنا، يبدأ العقل في الحديث، تتقاطر الأفكار بهدوء، كقطرات مطر خفيف على أرض عطشى، هناك فقط نسمع ذلك الصوت الداخلي الذي يضيع عادةً وسط صخب الحياة، أغرب تلك اللحظات وأصدقها لحظة الخلوة؛ حين يبتعد الإنسان قليلاً عن ضجيج العالم، عن الهواتف والرسائل والأحاديث، ويجد نفسه وجهاً لوجه مع ذاته. كم من فكرة عظيمة وُلدت في لحظة صمت؟ وكم من قرار مصيري تشكل بعيدًا عن المجالس المزدحمة؟ الإنسان حين يخلو بنفسه لا يهرب من العالم، بل يقترب أكثر من فهمه، ففي تلك اللحظات تتكشف أشياء كانت غائبة، وتظهر معانٍ لم تكن واضحة. الخلوة ليس عزلة بقدر ما هو لقاء صادق بين الإنسان ونفسه، لقاء بلا أقنعة، بلا مجاملات، وبلا ضجيج. ولعل أجمل ما في تلك اللحظات أن فكرة صغيرة قد تولد فيها بهدوء.. ثم تكبر لاحقًا حتى تغيّر طريقًا كاملًا في حياة صاحبها. لهذا، لا تستهن بلحظات الصمت، ففي الخلوة.. قد تبدأ أعظم الحظات.